تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
جمع سكران . وهو الذي اختل شعور عقله من أثر شرب الخمر ، وقياس جمعه سكارى . وأما سكرى فهو محمول على نوكى لما في السكر من اضطراب العقل . وله نظير وهو جمع كسلان على كسالى وكسلى . وجملة
وَما هُمْ بِسُكارى
في موضع الحال من الناس . و
عَذابَ اللَّهِ
صادق بعذابه في الدنيا وهو عذاب الفزع والوجع ، وعذاب الرعب في الآخرة بالإحساس بلفح النار وزبن ملائكة العذاب . وجملة
وَما هُمْ بِسُكارى
في موضع الحال من
النَّاسَ
. [ 3 ]

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 3 ]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ( 3 ) عطف على جملة
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ
[ الحج : 1 ] ، أي الناس فريقان : فريق يمتثل الأمر فيتقي اللّه ويخشى عذابه ، وفريق يعرض عن ذلك ويعارضه بالجدل الباطل في شأن اللّه تعالى من وحدانيته وصفاته ورسالته . وهذا الفريق هم أئمة الشرك وزعماء الكفر لأنهم الذين يتصدّون للمجادلة بما لهم من أغاليط وسفسطة وما لهم من فصاحة وتمويه . والاقتصار على ذكرهم إيماء إلى أنهم لولا تضليلهم قومهم وصدهم إياهم عن متابعة الدين لاتّبع عامة المشركين الإسلام لظهور حجته وقبولها في الفطرة . وقيل : أريد ب
مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ
النضر بن الحارث أو غيره كما سيأتي ، فتكون ( من ) الموصولة صادقة على متعدد عامة لكل من تصدق عليه الصلة . والمجادلة : المخاصمة والمحاجّة . والظرفية مجازية ، أي يجادل جدلا واقعا في شأن اللّه . ووصف الجدل بأنه بغير علم ، أي جدلا ملتبسا بمغايرة العلم ، وغير العلم هو الجهل ، أي جدلا ناشئا عن سوء نظر وسوء تفكير فلا يعلم ما تقتضيه الألوهية من الصفات كالوحدانية والعلم وفعل ما يشاء . واتباع الشيطان : الانقياد إلى وسوسته التي يجدها في نفسه والتي تلقاها بمعتاده والعمل بذلك دون تردد ولا عرض على نظر واستدلال . وكلمة ( كل ) في قوله
كُلَّ شَيْطانٍ
مستعملة في معنى الكثرة . كما سيأتي قريبا عند قوله تعالى :
وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ
[ الحج : 27 ] في هذه السورة . وتقدم في تفسير قوله تعالى :
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
في [ سورة البقرة : 145 ] .