تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
تشبيها لجملة الخبر عن الموصول بجملة الجزاء لشبه الموصول بالشرط قصدا لتقوية الإخبار . والمصدر المنسبك من قوله
فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ
في تقدير مبتدأ هو صدر للجملة الواقعة خبرا عن ( من ) الموصولة . والتقدير : فإضلاله إياه ودلالته إياه إلى عذاب السعير . وخبر هذا المبتدأ مقدر لأنه حاصل من معنى إسناد فعلي الإضلال والهداية إلى ضمير المبتدأ . والتقدير : ثابتان . ويجوز أن تجعل الفاء في قوله
فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ
فاء تفريع ويجعل ما بعدها معطوفا على
مَنْ تَوَلَّاهُ
ويكون المعطوف هو المقصود من الإخبار كما هو مقتضى التفريع . والتقدير : كتب عليه ترتب الإضلال منه لمتولّيه وترتب إيصاله متوليه إلى عذاب السعير . هذان هما الوجهان في نظم الآية وما عداهما تكلفات . واعلم أن ما نظمت به الآية هنا لا يجري على نظم قوله تعالى في [ سورة براءة : 63 ]
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها
لأن مقتضى فعل العلم غير مقتضى فعل ( كتب ) . فلذلك كانت ( من ) في قوله
مَنْ يُحادِدِ
شرطية لا محالة وكان الكلام جاريا على اعتبار الشرطية وكان الضمير هنالك في قوله
أَنَّهُ
ضمير شأن . ولما كان الضلال مشتهرا في معنى البعد عن الخير والصلاح لم يحتج في هذه الآية إلى ذكر متعلق فعل
يُضِلُّهُ
لظهور المعنى . وذكر متعلق فعل
يَهْدِيهِ
وهو
إِلى عَذابِ السَّعِيرِ
لأن تعلقه به غريب إذ الشأن أن يكون الهدي إلى ما ينفع لا إلى ما يضر ويعذب . وفي الجمع بين
يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ
محسن الطباق بالمضادة . وقد عدّ من هذا الفريق الشامل له قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
النضر بن الحارث . وقيل نزلت فيه ؛ كان كثير الجدل يقول : الملائكة بنات اللّه ، والقرآن أساطير الأولين ، واللّه غير قادر على إحياء أجساد بليت وصارت ترابا . وعد منهم أيضا أبو جهل ، وأبيّ بن خلف . ومن قال : إن المقصود بقوله
مَنْ يُجادِلُ
معينا خص الآية به ، ولا وجه للتخصيص وما هو إلا تخصيص بالسبب . [ 5 ]