تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
ووجه كونه معصية أنه جراءة على اللّه بأن يعبده بما لم يشرع له ولو لم يكن فيه حرج على النفس كنذر صمت ساعة ، وأنه تعذيب للنفس التي كرّمها اللّه تعالى من التعذيب بوجوه التعذيب إلا لعمل اعتبره الإسلام مصلحة للمرء في خاصته أو للأمة أو لدرء مفسدة مثل القصاص والجلد . ولذلك قال :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً
[ النساء : 29 ] . و قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ دماءكم وأموالكم وأنفسكم وأبشاركم عليكم حرام » لأن شريعة الإسلام لا تناط شرائعها إلّا بجلب المصالح ودرء المفاسد . والمأخوذ من قول مالك في هذا أنه معصية كما قاله في « الموطأ » . ولذلك قال الشيخ أبو محمد في « الرسالة » : « ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو نحوه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه ، وليستغفر اللّه » ، فقوله : « وليستغفر اللّه » بناء على أنه أتى بنذره مخالفا لنهي النبي صلى اللّه عليه وسلم عنه . ولو فعل أحد صمتا بدون نذر ولا قصد عبادة لم يكن حراما إلا إذا بلغ إلى حد المشقة المضنية . وقد بقي عند النصارى اعتبار الصمت عبادة وهم يجعلونه ترحما على الميت أن يقفوا صامتين هنيهة . ومعنى
فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
فانذري صوما وإن لقيت من البشر أحدا فقولي : إنّي نذرت صوما فحذفت جملة للقرينة . وقد جعل القول المتضمن إخبارا بالنذر عبارة عن إيقاع النذر وعن الإخبار به كناية عن إيقاع النذر لتلازمهما لأن الأصل في الخبر الصدق والمطابقة للواقع مثل قوله تعالى :
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
[ البقرة : 136 ] . وليس المراد أنها تقول ذلك ولا تفعله لأن اللّه تعالى لا يأذن في الكذب إلّا في حال الضرورة مع عدم تأتّي الصدق معها ، ولذلك جاء في الحديث : « إن في المعاريض مندوحة عن الكذب » . وأطلق القول على ما يدلّ على ما في النفس ، وهو الإيماء إلى أنها نذرت صوما مجازا بقرينة قوله
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
. فالمراد أن تؤدي ذلك بإشارة إلى أنها نذرت صوما بأن تشير إشارة تدلّ على الانقطاع عن الأكل ، وإشارة تدل على أنها لا تتكلّم لأجل ذلك ، فإن كان الصوم في شرعهم مشروطا بترك الكلام كما قيل فالإشارة الواحدة كافية ، وإن كان الصوم عبادة مستقلة قد يأتي بها الصائم مع ترك الكلام تشير إشارتين للدلالة على أنها نذرت الأمرين ، وقد علمت مريم أنّ الطفل الذي كلّمها هو الذي يتولى الجواب عنها حين تسأل بقرينة قوله تعالى :
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ
[ مريم : 29 ] .