تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
وقرأه يعقوب بياء تحتية مفتوحة وفتح القاف وتشديد السين فيكون الضمير المستتر عائدا إلى
بِجِذْعِ النَّخْلَةِ
. وجملة
فَكُلِي
وما بعدها فذلكة للجمل التي قبلها من قوله
قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا
، أي فأنت في بحبوحة عيش . وقرّة العين : كناية عن السرور بطريق المضادة ، لقولهم : سخنت عينه إذا كثر بكاؤه ، فالكناية بضد ذلك عن السرور كناية بأربع مراتب . وتقدم في قوله تعالى :
وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ
[ القصص : 9 ] . وقرّة العين تشمل هناء العيش وتشمل الأنس بالطفل المولود . وفي كونه قرّة عين كناية عن ضمان سلامته ونباهة شأنه . وفتح القاف في
وَقَرِّي عَيْناً
لأنه مضارع قررت عينه من باب رضي ، أدغم فنقلت حركة عين الكلمة إلى فائها في المضارع لأن الفاء ساكنة .
فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
. ( 26 ) هذا من بقية ما ناداها به عيسى ، وهو وحي من اللّه إلى مريم أجراه على لسان الطفل ، تلقينا من اللّه لمريم وإرشادا لقطع المراجعة مع من يريد مجادلتها ، فعلّمها أن تنذر صوما يقارنه انقطاع عن الكلام ، فتكون في عبادة وتستريح من سؤال السائلين ومجادلة الجهلة . وكان الانقطاع عن الكلام من ضروب العبادة في بعض الشرائع السالفة ، وقد اقتبسه العرب في الجاهلية كما دلّ عليه حديث المرأة من أحمس التي حجّت مصمتة . ونسخ في شريعة الإسلام بالسنة ، ففي « الموطأ » أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال : ما بال هذا ؟ فقالوا : نذر أن لا يتكلم ولا يستظل من الشمس ولا يجلس ويصوم . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليتم صيامه » وكان هذا الرجل يدعى أبا إسرائيل . وروي عن أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه أنه دخل على امرأة قد نذرت أن لا تتكلم ، فقال لها : « إن الإسلام قد هدم هذا فتكلمي » . وفي الحديث أن امرأة من أحمس حجّت مصمتة ، أي لا تتكلّم . فالصمت كان عبادة في شرع من قبلنا وليس هو بشرع لنا لأنه نسخه الإسلام بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « مروه فليتكلّم » ، وعمل أصحابه . وقد دلّت الآثار الواردة في هذه على أشياء :