تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
وجعلت المنة على آدم بهذه النعم مسوقة في سياق انتفاء أضدادها ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة تحذيرا منها لكي يتحامى من يسعى إلى إرزائه منها . وقرأ نافع ، وأبو بكر عن عاصم وإنك لا تظمؤا - بكسر همزة ( إنّ ) - عطفا للجملة على الجملة . وقرأ الباقون
وَأَنَّكَ
- بفتح الهمزة - عطفا على
أَلَّا تَجُوعَ
عطف المفرد على المفرد ، أي إن لك نفي الجوع والعري ونفي الظّمأ والضحو . وقد حصل تأكيد الجميع على القراءتين ب ( إن ) وبأختها ، وبين الأسلوبين تفنّن . [ 120 ]

[ سورة طه ( 20 ) : آية 120 ]

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ( 120 ) قوله
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ
تقدم مثله في الأعراف . والفاء لتعقيب مضمون جملتها على مضمون التي قبلها ، وهو تعقيب نسبي بما يناسب مدّة تقلب في خلالها بخيرات الجنة حتى حسده الشيطان واشتد حسده . وتعدية فعل ( وسوس ) هنا بحرف ( إلى ) وباللام في سورة الأعراف [ 20 ]
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ
باعتبار كيفية تعليق المجرور بذلك الفعل في قصد المتكلّم ، فإنه فعل قاصر لا غنى له عن التعدية بالحرف ، فتعديته بحرف ( إلى ) هنا باعتبار انتهاء الوسوسة إلى آدم وبلوغها إياه ، وتعديته باللّام في الأعراف باعتبار أن الوسوسة كانت لأجلهما . وجملة
قالَ يا آدَمُ
[ طه : 117 ] بيان لجملة
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ
. وهذه الآية مثال للجملة المبيّنة لغيرها في علم المعاني . وهذا القول خاطر ألقاه الشيطان في نفس آدم بطريق الوسوسة وهي الكلام الخفي ؛ إما بألفاظ نطق بها الشيطان سرا لآدم لئلا يطّلع عليه الملائكة فيحذروا آدم من كيد الشيطان ، فيكون إطلاق القول عليه حقيقة ؛ وإما بمجرد توجه أراده الشيطان كما يوسوس للناس في الدنيا ، فيكون إطلاق القول عليه مجازا باعتبار المشابهة . و
هَلْ أَدُلُّكَ
استفهام مستعمل في العرض ، وهو أنسب المعاني المجازية للاستفهام لقربه من حقيقته . والافتتاح بالنداء ليتوجه إليه . والشجرة هي التي نهاه اللّه عن الأكل منها دون جميع شجر الجنّة ، ولم يذكر النهي
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 195 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور