تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
شقاء الآخر لتلازمهما في الكون مع الإيماء إلى أنّ شقاء الذكر أصل شقاء المرأة ، مع ما في ذلك من رعاية الفاصلة . وجملة
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى
تعليل للشقاء المترتب على الخروج من الجنّة المنهي عنه ، لأنه لما كان ممتعا في الجنة برفاهية العيش من مأكل وملبس ومشرب واعتدال جوّ مناسب للمزاج كان الخروج منها مقتضيا فقدان ذلك . و
تَضْحى
مضارع ضحي : كرضي ، إذا أصابه حر الشمس في وقت الضحى ، ومصدره الضحو ، وحر الشمس في ذلك الوقت هو مبدأ شدته ، والمعنى : لا يصيبك ما ينافر مزاجك ، فالاقتصار على انتفاء الضحو هنا اكتفاء ، أي ولا تصرد ، وآدم لم يعرف الجوع والعرى والظمأ والضحو بالوجدان ، وإنما عرفها بحقائقها ضمن تعليمه الأسماء كلّها كما تقدّم في سورة البقرة . وجمع له في هذا الخبر أصول كفاف الإنسان في معيشته إيماء إلى أن الاستكفاء منها سيكون غاية سعي الإنسان في حياته المستقبلة ، لأن الأحوال التي تصاحب التكوين تكون إشعارا بخصائص المكوّن في مقوماته ، كما ورد في حديث الإسراء من توفيق النبي صلى اللّه عليه وسلم لاختيار اللبن على الخمر فقيل له : لو اخترت الخمر لغوت أمّتك . وقد قرن بين انتفاء الجوع واللباس في قوله
أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى
، وقرن بين انتفاء الظمأ وألم الجسم في قوله
لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
لمناسبة بين الجوع والعرى ، في أن الجوع خلوّ باطن الجسم عما يقيه تألمه وذلك هو الطعام ، وأن العري خلوّ ظاهر الجسم عما يقيه تألمه وهو لفح الحر وقرص البرد ؛ ولمناسبة بين الظمأ وبين حرارة الشمس في أن الأول ألم حرارة الباطن والثاني ألم حرارة الظاهر . فهذا اقتضى عدم اقتران ذكر الظمأ والجوع ، وعدم اقتران ذكر العري بألم الحر وإن كان مقتضى الظاهر جمع النظيرين في كليهما ، إذ جمع النظائر من أساليب البديع في نظم الكلام بحسب الظاهر لولا أن عرض هنا ما أوجب تفريق النظائر . ومن هذا القبيل في تفريق النظائر قصة أدبيّة طريفة جرت بين سيف الدولة وبين أبي الطيّب المتنبي ذكرها المعري في « معجز أحمد » شرحه على « ديوان أبي الطيّب » إجمالا ، وبسطها الواحدي في « شرحه على الديوان » . وهي : أن أبا الطيّب لما أنشد سيف الدولة قصيدته التي طالعها :