تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
على أنه لم يكن يومئذ نبيئا ، ولأنّه كان في عالم غير عالم التكليف وكانت الغواية كذلك ، فالعصيان والغواية يومئذ : الخروج عن الامتثال في التربية كعصيان بعض العائلة أمر كبيرها ، وإنما كان شنيعا لأنّه عصيان أمر اللّه . وليس في هذه الآية مستند لتجويز المعصية على الأنبياء ولا لمنعها ، لأنّ ذلك العالم لم يكن عالم تكليف . وجملة
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى
معترضة بين جملة
وَعَصى آدَمُ
وجملة
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً
، لأن الاجتباء والتوبة عليه كانا بعد أن عوقب آدم وزوجه بالخروج من الجنة كما في سورة البقرة ، وهو المناسب لترتب الإخراج من الجنة على المعصية دون أن يترتب على التوبة . وفائدة هذا الاعتراض التعجيل ببيان مآل آدم إلى صلاح . والاجتباء : الاصطفاء . وتقدم عند قوله تعالى :
وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
في الأنعام [ 87 ] ، وقوله
اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
في النحل [ 121 ] . والهداية : الإرشاد إلى النفع . والمراد بها إذا ذكرت مع الاجتباء في القرآن النبوءة كما في هذه الآيات الثلاث . [ 123 - 127 ]

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 123 إلى 127 ]

قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ( 123 ) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ( 126 ) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ( 127 )
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
استئناف بياني ، لأنّ الإخبار عن آدم بالعصيان والغواية يثير في نفس السامع سؤالا عن جزاء ذلك . وضمير
قالَ
عائد إلى
رَبَّهُ
[ طه : 121 ] من قوله
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ
والخطاب لآدم وإبليس . والأمر في
اهْبِطا
أمر تكوين ، لأنهما عاجزان عن الهبوط إلى الأرض إلّا بتكوين من اللّه إذ كان قرارهما في عالم الجنة بتكوينه تعالى .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 197 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور