تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
خرج منه صوت قوي ، وقد اتخذ للإعلام بالاجتماع للحرب . وتقدم عند قوله تعالى :
قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
في سورة الأنعام [ 73 ] . وقرأ الجمهور
يُنْفَخُ
بياء الغيبة مبنيا للمجهول ، أي ينفخ نافخ ، وهو الملك الموكل بذلك . وقرأه أبو عمرو وحده ننفخ - بنون العظمة وضم الفاء - وإسناد النفخ إلى اللّه مجاز عقلي باعتبار أنّه الأمر به ، مثل : بنى الأمير القلعة . والمجرمون : المشركون والكفرة . والزرق : جمع أزرق ، وهو الذي لونه الزّرقة . والزرقة : لون كلون السماء إثر الغروب ، وهو في جلد الإنسان قبيح المنظر لأنه يشبه لون ما أصابه حرق نار . وظاهر الكلام أن الزرقة لون أجسادهم فيكون بمنزلة قوله
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
[ آل عمران : 106 ] ، وقيل : المراد لون عيونهم ، فقيل : لأنّ زرقة العين مكروهة عند العرب . والأظهر على هذا المعنى أن يراد شدّة زرقة العين لأنّه لون غير معتاد ، فيكون كقول بشّار :
وللبخيل على أمواله علل * زرق العيون عليها أوجه سود
وقيل : المراد بالزّرق العمي ، لأن العمى يلوّن العين بزرقة . وهو محتمل في بيت بشّار أيضا . والتخافت : الكلام الخفي من خوف ونحوه . وتخافتهم لأجل ما يملأ صدورهم من هول ذلك اليوم كقوله تعالى :
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
[ طه : 108 ] . وجملة
إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً
مبيّنة لجملة
يَتَخافَتُونَ
، وهم قد علموا أنهم كانوا أمواتا ورفاتا فأحياهم اللّه فاستيقنوا ضلالهم إذ كانوا ينكرون الحشر . ولعلهم أرادوا الاعتذار لخطئهم في إنكار الإحياء بعد انقراض أجزاء البدن مبالغة في المكابرة ، فزعموا أنهم ما لبثوا في القبور إلّا عشر ليال فلم يصيروا رفاتا ، وذلك لما بقي في نفوسهم من استحالة الإحياء بعد تفرق الأوصال ، فزعموا أن إحياءهم ما كان إلا بردّ الأرواح إلى الأجساد . فالمراد باللبث : المكث في القبور ، كقوله تعالى :
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
في سورة المؤمنين [ 112 ، 113 ] ، وقوله
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ
في سورة الروم [ 55 ] . و ( إذ ) ظرف ، أي يتخافتون في وقت يقول فيه أمثلهم طريقة . والأمثل : الأرجح