تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وهو الذي اتّخذه اليهود رأس سنتهم بإذن من اللّه وسمّوه ( تسري ) فخرجوا من مدينة ( رعمسيس ) قاصدين شاطئ البحر الأحمر . وندم فرعون على إطلاقهم فأراد أن يلحقهم ليرجعهم إلى مدينته ، وخرج في مركبته ومعه ستمائة مركبة مختارة ومركبات أخرى تحمل جيشه . وأتبع : مرادف تبع . والباء في
بِجُنُودِهِ
للمصاحبة . واليمّ : البحر . وغشيانه إياهم : تغطيته جثثهم ، أي فغرقوا . وقوله
ما غَشِيَهُمْ
يفيد ما أفاده قوله
فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ
إذ من المعلوم أنهم غشيهم غاش ، فتعيّن أن المقصود منه التهويل ، أي بلغ من هول ذلك الغرق أنّه لا يستطاع وصفه . قال في « الكشاف » : « هو من جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة » . وهذا الجزء من القصة تقدم في سورة يونس . وجملة
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ
في موضع الحال من الضمير في
غَشِيَهُمْ
. والإضلال : الإيقاع في الضلال ، وهو خطأ الطريق الموصّل . ويستعمل بكثرة في معنى الجهالة وعمل ما فيه ضرّ وهو المراد هنا . والمعنى : أنّ فرعون أوقع قومه في الجهالة وسوء العاقبة بما بثّ فيهم من قلب الحقائق والجهل المركب ، فلم يصادفوا السداد في أعمالهم حتى كانت خاتمتها وقوعهم غرقى في البحر بعناده في تكذيب دعوة موسى - عليه السلام - . وعطف
وَما هَدى
على
أَضَلَّ
: إما من عطف الأعمّ على الأخص لأنّ عدم الهدى يصدق بترك الإرشاد من دون إضلال ؛ وإما أن يكون تأكيدا لفظيا بالمرادف مؤكدا لنفي الهدى عن فرعون لقومه فيكون قوله
وَما هَدى
تأكيدا ل
أَضَلَّ
بالمرادف كقوله تعالى :
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ
[ النحل : 21 ] وقول الأعشى : حفاة لا نعال لنا » من قوله :
إمّا ترينا حفاة لا نعال لنا * إنّا كذلك ما نحفى وننتعل
وفي « الكشاف » : إن نكتة ذكر
وَما هَدى
التهكم بفرعون في قوله
وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
اه . يعني أن في قوله
وَما هَدى
تلميحا إلى قصة قوله المحكي في سورة غافر [ 29 ] :
قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
وما في هذه من قوله
بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
[ طه : 63 ] ، أي هي هدي ، فيكون من التلميح إلى لفظ وقع في قصة مفضيا إلى التلميح إلى القصة كما في قول مهلهل :