تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
يسفر عن رأي يصدر الجميع عنه . وإسناد القول إلى ضمير جمعهم على معنى : قال بعضهم : هذان لساحران ، فقال جميعهم : نعم هذان لساحران ، فأسند هذا القول إلى جميعهم ، أي مقالة تداولوا الخوض في شأنها فأرسوا عليها . وقال بعضهم لبعض : نعم هو كذلك ، ونطقوا بالكلام الذي استقرّ عليه رأيهم ، وهو تحققهم أنّ موسى وأخاه ساحران . واعلم أنّ جميع القراء المعتبرين قرءوا بإثبات الألف في اسم الإشارة من قوله « هذان » ما عدا أبا عمرو من العشرة وما عدا الحسن البصري من الأربعة عشر . وذلك يوجب اليقين بأن إثبات الألف في لفظ ( هذان ) أكثر تواترا بقطع النظر عن كيفيّة النطق بكلمة ( إنّ ) مشدّدة أو مخفّفة ، وأن أكثر مشهور القراءات المتواترة قرءوا - بتشديد نون - ( إنّ ) ما عدا ابن كثير وحفصا عن عاصم فهما قرءا ( إن ) - بسكون النون - على أنها مخففة من الثقيلة . وإن المصحف الإمام ما رسموه إلّا اتّباعا لأشهر القراءات المسموعة المروية من زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقرّاء أصحابه ، فإن حفظ القرآن في صدور القرّاء أقدم من كتابته في المصاحف ، وما كتب في أصول المصاحف إلّا من حفظ الكاتبين ، وما كتب المصحف الإمام إلا من مجموع محفوظ الحفاظ وما كتبه كتاب الوحي في مدة نزول الوحي . فأما قراءة الجمهور
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
- بتشديد نون - ( إنّ ) وبالألف في
هذانِ
وكذلك في
لَساحِرانِ
، فللمفسرين في توجيهها آراء بلغت الستّة . وأظهرها أن تكون ( إنّ ) حرف جواب مثل : نعم وأجل ، وهو استعمال من استعمالات ( إنّ ) ، أي اتبعوا لما استقر عليه أمرهم بعد النّجوى كقول عبد اللّه بن قيس الرقيّات :
ويقلن شيب قد علا * ك وقد كبرت فقلت إنّه
أي أجل أو نعم ، والهاء في البيت هاء السّكت ، وقول عبد اللّه بن الزبير لأعرابي استجداه فلم يعطه ، فقال الأعرابي : لعن اللّه ناقة حملتني إليك . قال ابن الزّبير : إنّ وراكبها . وهذا التوجيه من مبتكرات أبي إسحاق الزجاج ذكره في « تفسيره » . وقال : عرضته على عالمينا وشيخينا وأستاذينا محمد بن يزيد ( يعني المبرد ) ، وإسماعيل بن إسحاق بن حمّاد ( يعني القاضي الشهير ) فقبلاه وذكرا أنه أجود ما سمعاه في هذا . وقلت : لقد صدقا وحقّقا ، وما أورده ابن جنّي عليه من الرد فيه نظر .