تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
الفعل بالمفعول من نصب المفعول . وتقدّم عند قوله تعالى :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
في سورة البقرة [ 17 ] . وقرأ الجمهور
فَأَجْمِعُوا
بهمزة قطع وكسر الميم أمرا من : أجمع أمره ، إذا جعله متفقا عليه لا يختلف فيه . وقرأ أبو عمرو فاجمعوا - بهمزة وصل وبفتح الميم - أمرا من جمع ، كقوله فيما مضى
فَجَمَعَ كَيْدَهُ
[ طه : 60 ] . أطلق الجمع على التعاضد والتعاون ، تشبيها للشيء المختلف بالمتفرّق ، وهو مقابل قوله
فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ
. وسموا عملهم كيدا لأنهم تواطئوا على أن يظهروا للعامة أن ما جاء به موسى ليس بعجيب ، فهم يأتون بمثله أو أشدّ منه ليصرفوا الناس عن سماع دعوته فيكيدوا له بإبطال خصيصية ما أتى به . والظاهر أنّ عامة الناس تسامعوا بدعوة موسى ، وما أظهره اللّه على يديه من المعجزة ، وأصبحوا متحيّرين في شأنه ؛ فمن أجل ذلك اهتمّ السحرة بالكيد له ، وهو ما حكاه قوله تعالى : في آية سورة الشعراء [ 38 - 40 ] :
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ
. ودبروا لإرهاب الناس وإرهاب موسى وهارون بالاتفاق على أن يأتوا حين يتقدمون لإلقاء سحرهم مصطفين لأن ذلك أهيب لهم . ولم يزل الذين يرومون إقناع العموم بأنفسهم يتخيّرون لذلك بهاء الهيبة وحسن السمت وجلال المظهر . فكان من ذلك جلوس الملوك على جلود الأسود ، وربما ليس الأبطال جلود النمور في الحرب . وقد فسر به فعل « تنمّروا » في قول ابن معد يكرب :
قوم إذا لبسوا الحديد * تنمروا حلقا وقدّا
وقيل : إن ذلك المراد من قولهم الجاري مجرى المثل « لبس لي فلان جلد النمر » . وثبت في التاريخ المستند للآثار أنّ كهنة القبط في مصر كانوا يلبسون جلود النمور . والصفّ : مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول ، أي صافّين أو مصفوفين ، إذا ترتبوا واحد حذو الآخر بانتظام بحيث لا يكونون مختلطين ، لأنهم إذا كانوا الواحد حذو الآخر وكان الصف منهم تلو الآخر كانوا أبهر منظرا ، قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا
[ الصفّ : 4 ] . وكان جميع سحرة البلاد المصريّة قد أحضروا بأمر فرعون