تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
تفريع التولّي وجمع الكيد على تعيين موسى للموعد إشارة إلى أن فرعون بادر بالاستعداد لهذا الموعد ولم يضع الوقت للتهيئة له . والتولّي : الانصراف ، وهو هنا مستعمل في حقيقته ، أي انصرف عن ذلك المجلس إلى حيث يرسل الرسل إلى المدائن لجمع من عرفوا بعلم السحر ، وهذا كقوله تعالى في سورة النازعات [ 22 ، 23 ]
ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى
. ومعنى جمع الكيد : تدبير أسلوب مناظرة موسى ، وإعداد الحيل لإظهار غلبة السحرة عليه ، وإقناع الحاضرين بأنّ موسى ليس على شيء . وهذا أسلوب قديم في المناظرات : أن يسعى المناظر جهده للتشهير ببطلان حجّة خصمه بكلّ وسائل التلبيس والتشنيع والتشهير ، ومباداته بما يفتّ في عضده ويشوش رأيه حتّى يذهب منه تدبيره . فالجمع هنا مستعمل في معنى إعداد الرأي . واستقصاء ترتيب الأمر ، كقوله
فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ
[ يونس : 71 ] ، أي جمع رأيه وتدبيره الذي يكيد به موسى . ويجوز أن يكون المعنى فجمع أهل كيده ، أي جمع السحرة ، على حد قوله تعالى :
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
[ الشعراء : 38 ] . والكيد : إخفاء ما به الضر إلى وقت فعله . وقد تقدّم عند قوله تعالى :
إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
في سورة الأعراف [ 183 ] . ومعنى
ثُمَّ أَتى
ثمّ حضر الموعد ، وثم للمهلة الحقيقية والرتبية معا ، لأن حضوره للموعد كان بعد مضي مهلة الاستعداد ، ولأن ذلك الحضور بعد جمع كيده أهمّ من جمع الكيد ، لأنّ فيه ظهور أثر ما أعدّه . وجملة
قالَ لَهُمْ مُوسى
مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأنّ قوله
ثُمَّ أَتى
يثير سؤالا في نفس السامع أن يقول : فما ذا حصل حين أتى فرعون ميقات الموعد . وأراد موسى مفاتحة السحرة بالموعظة . وضمير
لَهُمْ
عائد إلى معلوم من قوله
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ
أي بأهل سحر ، أو يكون الخطاب للجميع ، لأنّ ذلك المحضر كان بمرأى ومسمع من فرعون وحاشيته ، فيكون معاد الضمير ما دلّ عليه قوله
فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى
، أي جمع رجال كيده .