تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
نفسه واحدا منها . وأراد بالجماعة جماعة بني إسرائيل حيث قال له موسى
فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ
[ طه : 47 ] ، أي جئت لتخرج بعض الأمة من أرضنا وتطمع أن يتبعك جميع الأمّة بما تظهر لهم من سحرك . والاستفهام في
أَ جِئْتَنا
إنكاري ، ولذلك فرّع عليه القسم على أن يأتيه بسحر مثله ، والقسم من أساليب إظهار الغضب . واللام لام القسم ، والنون لتوكيده . وقصد فرعون من مقابلة عمل موسى بمثله أن يزيل ما يخالج نفوس الناس من تصديق موسى وكونه على الحق ، لعلّ ذلك يفضي بهم إلى الثورة على فرعون وإزالته من ملك مصر . وفرّع على ذلك طلب تعيين موعد بينه وبين موسى ليحضر له فيه القائمين بسحر مثل سحره . والموعد هنا يجوز أن يراد به المصدر الميمي ، أي الوعد وأن يراد به مكان الوعد ، وهذا إيجاز في الكلام . وقوله
مَكاناً
بدل اشتمال من
مَوْعِداً
بأحد معنييه ، لأنّ الفعل يقتضي مكانا وزمانا فأبدل منه مكانه . وقوله
لا نُخْلِفُهُ
في قراءة الجمهور برفع الفعل صفة ل
مَوْعِداً
باعتبار معناه المصدري . وقرأه أبو جعفر بجزم الفاء من ( نخلفه ) على أن ( لا ) ناهية . والنهي تحذير من إخلافه . و
سُوىً
قرأه نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، والكسائي - بكسر السين - . وقرأه عاصم ، وحمزة ، وابن عامر ، ويعقوب ، وخلف - بضم السين - وهما لغتان ، فالكسر بوزن فعل ، قال أبو عليّ : وزن فعل يقلّ في الصفات ، نحو : قوم عدى . وقال أبو عبيدة ، وأبو حاتم ، والنحاس : كسر السين هو اللغة العالية الفصيحة ، وهو اسم وصف مشتق من الاستواء : فيجوز أن يكون الاستواء استواء التوسط بين جهتين . وأنشد أبو عبيدة لموسى ابن جابر الحنفي :
وإن أبانا كان حلّ ببلدة * سوى بين قيس قيس عيلان والفزر
( الفزر : لقب لسعد بن زيد مناة بن تميم هو بكسر الفاء ) .