تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وقرأ الجمهور
مِهاداً
- بكسر الميم وألف بعد الهاء - وهو اسم بمعنى الممهود مثل الفراش واللّباس . ويجوز أن يكون جمع مهد ، وهو اسم لما يمهد للصّبيّ ، أي يوضع عليه ويحمل فيه ، فيكون بوزن كعاب جمعا لكعب . ومعنى الجمع على اعتبار كثرة البقاع . وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف
مَهْداً
- بفتح الميم وسكون الهاء - ، أي كالمهد الذي يمهد للصبي ، وهو اسم بمصدر مهده ، على أنّ المصدر بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق ، ثمّ شاع ذلك فصار اسما لما يمهد . ومعنى القراءتين واحد ، أي جعل الأرض ممهودة مسهلة للسّير والجلوس والاضطجاع بحيث لا نتوء فيها إلّا نادرا يمكن تجنبه ، كقوله :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً
[ نوح : 19 ، 20 ] .
وَسَلَكَ
فعل مشتق من السلوك والسّلك الذي هو الدخول مجتازا وقاطعا . يقال : سلك طريقا ، أي دخله مجتازا . ويستعمل مجازا في السّير في الطريق تشبيها للسائر بالشيء الداخل في شيء آخر . يقال : سلك طريقا . فحق هذا الفعل أن يتعدّى إلى مفعول واحد وهو المدخول فيه ، ويستعمل متعديا بمعنى أسلك . وحقه أن يكون تعديه بهمزة التعدية فيقال : أسلك المسمار في اللّوح ، أي جعله سالكا إياه ، إلّا أنّه كثر في الكلام تجريده من الهمزة كقوله تعالى : نسلكه
عَذاباً صَعَداً
[ الجنّ : 17 ] . وكثر كون الاسم الذي كان مفعولا ثانيا يصير مجرورا ب ( في ) كقوله تعالى :
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ
[ المدثر : 42 ] بمعنى أسلككم سقر . وقوله :
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
في سورة الشعراء [ 200 ] ، وقوله
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ
في سورة الزمر [ 21 ] . وقال الأعشى : كما سلك السّكيّ في الباب فيتق أي أدخل المسمار في الباب نجار ، فصار فعل سلك يستعمل قاصرا ومتعديا . فأما قوله هنا
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا
فهو سلك المتعدي ، أي أسلك فيها سبلا ، أي جعل سبلا سالكة في الأرض ، أي داخلة فيها ، أي متخللة . وذلك كناية عن كثرتها في جهات الأرض . والمراد بالسبل : كلّ سبيل يمكن السير فيه سواء كان من أصل خلقة الأرض كالسهول والرمال ، أو كان من أثر فعل النّاس مثل الثنايا التي تكرر السير فيها فتعبدت وصارت طرقا يتابع الناس السير فيها .