تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
والنّبات : مصدر سمي به النبات ، فلكونه مصدرا في الأصل استوى فيه الواحد والجمع . وشتّى : جمع شتيت بوزن فعلى ، مثل : مريض ومرضى . والشّتيت : المشتّت ، أي المبعّد . وأريد به هنا التباعد في الصفات من الشكل واللّون والطعم ، وبعضها صالح للإنسان وبعضها للحيوان . والجملة الثانية
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ
مقول قول محذوف هو حال من ضمير
فَأَخْرَجْنا
. والتقدير : قائلين : كلوا وارعوا أنعامكم . والأمر للإباحة مراد به المنّة . والتقدير : كلوا منها وارعوا أنعامكم منها . وهذا من مقابلة الجمع بالجمع لقصد التوزيع . وفعل ( رعى ) يستعمل قاصرا ومتعديا . يقال : رعت الدابة ورعاها صاحبها . وفرق بينهما في المصدر فمصدر القاصر : الرّعي ، ومصدر المتعدي : الرعاية . ومنه قول النّابغة : رأيتك ترعاني بعين بصيرة والجملة الثالثة
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى
معترضة مؤكدة للاستدلال ؛ فبعد أن أشير إلى ما في المخلوقات المذكورة آنفا من الدلالة على وجود الصانع ووحدانيته ، والمنّة بها على الإنسان لمن تأمل ، جمعت في هذه الجملة وصرح بما في جميعها من الآيات الكثيرة . وكلّ من الاعتراض والتوكيد مقتض لفصل الجملة . وتأكيد الخبر بحرف ( إنّ ) لتنزيل المخاطبين منزلة المنكرين ، لأنّهم لم ينظروا في دلالة تلك المخلوقات على وحدانية اللّه ، وهم يحسبون أنفسهم من أولي النّهى ، فما كان عدم اهتدائهم بتلك الآيات إلّا لأنهم لم يعدوها آيات . لا جرم أنّ ذلك المذكور مشتمل على آيات جمّة يتفطن لها ذوو العقول بالتأمّل والتفكّر ، وينتبهون لها بالتذكير . والنهى : اسم جمع نهية - بضم النون وسكون الهاء - ، أي العقل ، سمي نهية لأنّه سبب انتهاء المتحلي به عن كثير من الأعمال المفسدة والمهلكة ، ولذلك أيضا سمّي بالعقل وسمي بالحجر . [ 55 ]

[ سورة طه ( 20 ) : آية 55 ]

مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ( 55 )