تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
قال الزمخشري في « الكشاف » : « وللّه درّ هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق » . [ 51 - 52 ]

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 51 إلى 52 ]

قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ( 51 ) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ( 52 ) والبال : كلمة دقيقة المعنى ، تطلق على الحال المهمّ ، ومصدره البالة بتخفيف اللّام ، قال تعالى :
كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ
[ محمد : 2 ] ، أي حالهم . وفي الحديث « كل أمر ذي بال . . . » إلخ ، وتطلق على الرأي يقال : خطر كذا ببالي . ويقولون : ما ألقى له بالا ، وإيثار هذه الكلمة هنا من دقيق الخصائص البلاغيّة . أراد فرعون أن يحاجّ موسى بما حصل للقرون الماضية الذين كانوا على ملّة فرعون ، أي قرون أهل مصر ، أي ما حالهم ، أفتزعم أنّهم اتفقوا على ضلالة . وهذه شنشنة من لا يجد حجّة فيعمد إلى التشغيب بتخييل استبعاد كلام خصمه ، وهو في معنى قول فرعون وملئه في الآية الأخرى
قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
[ يونس : 78 ] . ويجوز أن يكون المعنى أنّ فرعون أراد التشغيب على موسى حين نهضت حجّته بأن ينقله إلى الحديث عن حال القرون الأولى : هل هم في عذاب بمناسبة قول موسى :
أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
[ طه : 48 ] ، فإذا قال : إنّهم في عذاب ، ثارت ثائرة أبنائهم فصاروا أعداء لموسى ، وإذا قال : هم في سلام ، نهضت حجّة فرعون لأنه متابع لدينهم ، ولأنّ موسى لمّا أعلمه بربّه وكان ذلك مشعرا بالخلق الأوّل خطر ببال فرعون أن يسأله عن الاعتقاد في مصير النّاس بعد الفناء ، فسأل : ما بال القرون الأولى ؟ ما شأنهم وما الخبر عنهم ؟ وهو سؤال تعجيز وتشغيب . وقول موسى في جوابه
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ
صالح للاحتمالين ، فعلى الاحتمال الأول يكون موسى صرفه عن الخوض فيما لا يجدي في مقامه ذلك الذي هو المتمحض لدعوة الأحياء لا البحث عن أحوال الأموات الذين أفضوا إلى عالم الجزاء ، وهذا نظير قول النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لمّا سئل عن ذراري المشركين فقال : « اللّه أعلم بما كانوا عاملين » . وعلى الاحتمال الثاني يكون موسى قد عدل عن ذكر حالهم خيبة لمراد فرعون وعدولا عن الاشتغال بغير الغرض الذي جاء لأجله .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 130 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور