تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
يقال : عقد اللسان كفرح ، فهو أعقد إذا كان لا يبين الكلام . واستعار لإزالتها فعل الحل المناسب العقدة على طريقة الاستعارة المكنية . وزيادة
لِي
بعد
اشْرَحْ
وبعد
يَسِّرْ
إطناب كما أشار إليه صاحب « المفتاح » لأنّ الكلام مفيد بدونه . ولكن سلك الإطناب لما تفيده اللام من معنى العلّة ، أي اشرح صدري لأجلي ويسر أمري لأجلي ، وهي اللام الملقبة لام التبيين التي تفيد تقوية البيان ، فإن قوله
صَدْرِي
و
أَمْرِي
واضح أن الشرح والتيسير متعلقان به فكان قوله
لِي
فيهما زيادة بيان كقوله :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
[ الشرح : 1 ] وهو هنا ضرب من الإلحاح في الدعاء لنفسه . وأمّا تقديم هذا المجرور على متعلقه فليحصل الإجمال ثم التفصيل فيفيد مفاد التأكيد من أجل تكرر الإسناد . ولم يأت بذلك مع قوله
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي
لأنّ ذلك سؤال يرجع إلى تبليغ رسالة اللّه إلى فرعون فليست فائدتها راجعة إليه حتى يأتي لها بلام التبيين . وتنكير
عُقْدَةً
للتعظيم ، أي عقدة شديدة . و
مِنْ لِسانِي
صفة لعقدة . وعدل عن أن يقول : عقدة لساني ، بالإضافة ليتأتى التنكير المشعر بأنها عقدة شديدة . وفعل
يَفْقَهُوا
مجزوم في جواب الأمر على الطريقة المتّبعة في القرآن من جعل الشيء المطلوب بمنزلة الحاصل عقب الشرط كقوله تعالى :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
[ النور : 30 ] أي إن نقل لهم غضّوا يغضوا ، أي شأنهم الامتثال . والفقه : الفهم . والوزير : فعيل بمعنى فاعل ، من وزار على غير قياس ، مثل حكيم من أحكم ، وهو مشتق من الأزر ، وهو المعونة ، والمؤازرة كذلك ، والكل مشتق من الأزر ، أي الظهر ، كما سيأتي قريبا ، فحقه أن يكون أزيرا بالهمزة إلا أنّهم قلبوا همزته واوا حملا على موازر الذي هو بمعناه الذي قلبت همزته واوا لانضمام ما قبلها . فلما كثر في الكلام قولهم : موازر ويوازر بالواو نطقوا بنظيره في المعنى بالواو بدون موجب للقلب إلّا الحمل على النظير في النطق ، أي اعتياد النطق بهمزته واوا ، أي اجعل معينا من أهلي . وخصّ هارون لفرط ثقته به ولأنه كان فصيح اللسان مقوالا ، فكونه من أهله مظنة