تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
فجملة
إِنَّهُ طَغى
تعليل للأمر بالذهاب إليه ، وإنما صلحت للتعليل لأن المراد ذهاب خاص ، وهو إبلاغ ما أمر اللّه بإبلاغه إليه من تغييره عما هو عليه من عبادة غير اللّه . ولما علم موسى ذلك لم يبادر بالمراجعة في الخوف من ظلم فرعون ، بل تلقى الأمر وسأل اللّه الإعانة عليه ، بما يؤول إلى رباطة جأشه وخلق الأسباب التي تعينه على تبليغه ، وإعطائه فصاحة القول للإسراع بالإقناع بالحجة . وحكي جواب موسى عن كلام الرب بفعل القول غير معطوف جريا على طريقة المحاورات . ورتّب موسى الأشياء المسئولة في كلامه على حسب ترتيبها في الواقع على الأصل في ترتيب الكلام ما لم يكن مقتض للعدل عنه . فالشرح ، حقيقته : تقطيع ظاهر شيء ليّن . واستعير هنا لإزالة ما في نفس الإنسان من خواطر تكدره أو توجب تردده في الإقدام على عمل ما تشبيها بتشريح اللحم بجامع التوسعة . والقلب : يراد به في كلامهم والعقل . فالمعنى : أزل عن فكري الخوف ونحوه ، مما يعترض الإنسان من عقبات تحول بينه وبين الانتفاع بإقدامه وعزامته ، وذلك من العسر ، فسأل تيسير أمره ، أي إزالة الموانع الحافّة بما كلف به . والأمر هنا : الشأن ، وإضافة ( أمر ) إلى ضمير المتكلم لإفادة مزيد اختصاصه به وهو أمر الرسالة كما في قوله الآتي
وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي
. والتيسير : جعل الشيء يسيرا ، أي ذا يسر . وقد تقدّم عند قوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
في سورة البقرة [ 185 ] . ثم سأل سلامة آلة التبليغ وهو اللسان بأن يرزقه فصاحة التعبير والمقدرة على أداء مراده بأوضح عبارة ، فشبه حبسة اللسان بالعقدة في الحبل أو الخيط ونحوهما لأنها تمنع سرعة استعماله . والعقدة : موضع ربط بعض الخيط أو الحبل ببعض آخر منه ، وهي بزنة فعلة بمعنى مفعول كقضة وغرفة ؛ أطلقت على عسر النطق بالكلام أو ببعض الحروف على وجه الاستعارة لعدم تصرف اللسان عند النطق بالكلمة وهي استعارة مصرّحة ، ويقال لها حبسة .