والهزو : مصدر هزا ، أي اتخذوا ذلك مستهزأ به . والاستهزاء بالآيات هو الاستهزاء عند سماعها ، كما يفعلون عند سماع آيات الإخبار بالبعث وعند سماع آيات الوعيد والإنذار بالعذاب .
وعطف
وَما أُنْذِرُوا
على « الآيات » عطف خاص على عام لأنه أبلغ في الدلالة على توغل كفرهم وحماقة عقولهم .
وَما أُنْذِرُوا
مصدرية ، أي وإنذارهم والإخبار بالمصدر للمبالغة .
وقرأ الجمهور
هُزُواً
بضم الزاي . وقرأه حمزة هزءا بسكون الزاي .
[ 57 ]
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 57 ]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ( 57 )
لما بين حالهم من مجادلة الرسل لسوء نية ، ومن استهزائهم بالإنذار ، وعرّض بحماقتهم أتبع ذلك بأنه أشد الظلم . ذلك لأنه ظلم المرء نفسه وهو أعجب الظلم ، فالذين ذكروا ما هم في غفلة عنه تذكيرا بواسطة آيات اللّه فأعرضوا عن التأمل فيها مع أنها تنذرهم بسوء العاقبة . وشأن العاقل إذا سمع مثل ذلك أن يتأهب للتأمل وأخذ الحذر ، كما
قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لقريش « إذا أخبرتكم أن العدو مصبحكم غدا أكنتم مصدّقي ؟ فقالوا : ما جربنا عليك كذبا » فقال : « فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد »
. و ( من ) المجرورة موصولة . وهي غير خاصة بشخص معين بقرينة قوله :
إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
. والمراد بها المشركون من العرب الذين ذكروا بالقرآن فأعرضوا عنه .
وعطف إعراضهم عن الذكر على التذكير بفاء التعقيب إشارة إلى أنهم سارعوا بالإعراض ولم يتركوا لأنفسهم مهلة النظر والتأمل .
ومعنى نسيان ما قدمت يداه أنه لم يعرض حاله وأعماله على النظر والفكر ليعلم :
أهي صالحة لا تخشى عواقبها أم هي سيئة من شأنها أن لا يسلم مقترفها من مؤاخذة ، والصلاح بيّن والفساد بين ، ولذلك سمي الأول معروفا والثاني منكرا ، ولا سيما بعد أن جاءتهم الذكرى على لسان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فهم بمجموع الحالين أشد الناس ظلما ، ولو تفكروا قليلا لعلموا أنهم غير مفلتين من لقاء جزاء أعمالهم .