تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
ف ( من ) استفهام مستعمل في الإنكار ، أي لا أحد أظلم من هؤلاء المتحدث عنهم . والنسيان : مستعمل في التغاضي عن العمل . وحقيقة النسيان تقدم عند قوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها
في سورة البقرة [ 106 ] . ومعنى
ما قَدَّمَتْ يَداهُ
ما أسلفه من الأعمال . وأكثر ما يستعمل مثل هذا التركيب في القرآن في العمل السيئ ، فصار جاريا مجرى المثل ، قال تعالى :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
، وقال :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
. والآية مصوغة بصيغة العموم ، والمقصود الأول : منها مشركو أهل مكة . وجملة
إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
مستأنفة بيانية نشأت على جملة
وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
، أي إن لم تعلم سبب نسيانه ما قدمت يداه فأعلم أنا جعلنا على قلوبهم أكنة . وهو يفيد معنى التعليل بالمآل ، وليس موقع الجملة موقع الجملة التعليلية . والقلوب مراد بها : مدارك العلم . والأكنة : جمع كنان ، وهو الغطاء ، لأنه يكن الشيء ، أي يحجبه . و
أَنْ يَفْقَهُوهُ
مجرور بحرف محذوف ، أي من أن يفقهوه ، لتضمين
أَكِنَّةً
معنى الحائل أو المانع . والوقر : ثقل السمع المانع من وصول الصوت إلى الصماخ . والضمير المفرد في
يَفْقَهُوهُ
عائد إلى القرآن المفهوم من المقام والمعبر عنه بالآيات . وجملة
وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى
عطف على جملة
إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ
، وهي متفرعة عليها ، ولكنها لم تعطف بالفاء لأن المقصود جعل ذلك في الإخبار المستقل . وأكد نفي اهتدائهم بحرف توكيد النفي وهو ( لن ) ، وبلفظ ( أبدا ) المؤكد لمعنى ( لن ) ، وبحرف الجزاء المفيد تسبب الجواب على الشرط . وإنما حصل معنى الجزاء باعتبار تفرع جملة الشرط على جملة الاستئناف البياني ، أي ذلك مسبب على فطر قلوبهم على عدم قبول الحق . [ 58 ]