تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
تتنزل هذه الجملة منزلة التعليل للجملتين اللتين قبلها وهما
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ
إلى قوله :
بَدَلًا
[ الكهف : 50 ] ، فإنهم لما لم يشهدوا خلق السماوات والأرض لم يكونوا شركاء للّه في الخلق بطريق الأولى فلم يكونوا أحقاء بأن يعبدوا . وهذا احتجاج على المشركين بما يعترفون به فإنهم يعترفون بأن اللّه هو المتفرد بخلق السماوات والأرض وخلق الموجودات . والإشهاد : جعل الغير شاهدا ، أي حاضرا ، وهو هنا كناية عن إحضار خاص ، وهو إحضار المشاركة في العمل أو الإعانة عليه . ونفي هذا الشهود يستلزم نفي المشاركة في الخلق والإلهية بالفحوى أي ، بالأولى ، فإن خلق السماوات كان قبل وجود إبليس وذريته ، فهو استدلال على انتفاء إلهيتهم بسبق العدم على وجودهم . وكل ما جاز عليه العدم استحال عليه القدم ، والقدم من لوازم الإلهية . وضمائر الغيبة في قوله :
أَشْهَدْتُهُمْ
وقوله :
أَنْفُسِهِمْ
عائدة إلى المتحدث عنه ، أي إبليس وذريته كما عاد إليهم الضمير في قوله :
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ
. ومعنى
أَنْفُسِهِمْ
، أنفس بعضهم بقرينة استحالة مشاهدة المخلوق خلق نفسه ، فإطلاق الأنفس هنا نظير إطلاقه في قوله تعالى :
فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ
[ النور : 61 ] وفي قوله :
وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ
[ البقرة : 84 ] ، أي أنفس بعضكم . فعلى هذا الوجه تتناسق الضمائر ويتقوم المعنى المقصود . واعلم أن اللّه تعالى خلق السماوات والأرض قبل أن يخلق لهما سكانهما كما دل عليه قوله :
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
[ فصّلت : 9 - 12 ] . وكان أهل الجاهلية يعتقدون في الأرض جنّا متصرفين فكانوا إذا نزلوا واديا مخوفا قالوا : أعوذ بعزيز هذا الوادي ، ليكونوا في أمن من ضره . وقرأ أبو جعفر ما أشهدناهم بنون العظمة ، وقرأ
وَما كُنْتُ
بفتح التاء على الخطاب ، والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو خبر مستعمل في النهي .