عطف على جملة
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ
[ الكهف : 47 ] بتقدير : واذكر إذ قلنا للملائكة ، تفننا لغرض الموعظة الذي سيقت له هذه الجمل ، وهو التذكير بعواقب اتباع الهوى والأعراض عن الصالحات ، وبمداحض الكبرياء والعجب واحتقار الفضيلة والابتهاج بالأعراض التي لا تكسب أصحابها كمالا نفسيا . وكما وعظوا بآخر أيام الدنيا ذكروا هنا بالموعظة بأول أيامها وهو يوم خلق آدم ، وهذا أيضا تمهيد وتوطئة لقوله :
وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ
الآية [ الكهف : 52 ] ، فإن الإشراك كان من غرور الشيطان ببني آدم .
ولها أيضا مناسبة بما تقدم من الآيات التي أنحت على الذين افتخروا بجاههم وأموالهم واحتقروا فقراء أهل الإسلام ولم يميزوا بين الكمال الحق والغرور الباطل ، كما أشار إليه قوله تعالى :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ
[ الكهف :
28 ] ، فكان في قصة إبليس نحو آدم مثل لهم ، ولأن في هذه القصة تذكيرا بأن الشيطان هو أصل الضلال ، وأن خسران الخاسرين يوم القيامة آيل إلى اتباعهم خطوات الشيطان وأوليائه . ولهذا فرع على الأمرين قوله تعالى :
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ
.
وهذه القصة تكررت في مواضع كثيرة من القرآن ، وهي في كل موضع تشتمل على شيء لم تشتمل عليه في الآخر ، ولها في كل موضع ذكرت فيه عبرة تخالف عبرة غيره ، فذكرها في سورة البقرة ( مثلا ) إعلام بمبادئ الأمور ، وذكرها هنا تنظير للحال وتوطئة للإنكار والتوبيخ ، وقس على ذلك .
وفسق : تجاوز عن طاعته . وأصله قولهم : فسقت الرّطبة ، إذا خرجت من قشرها فاستعمل مجازا في التجاوز . قال أبو عبيدة . والفسق بمعنى التجاوز عن الطاعة . قال أبو عبيدة : « لم نسمع ذلك في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثها وإنما تكلم به العرب بعد نزول القرآن » ، أي في هذه الآية ونحوها . ووافقه المبرد وابن الأعرابي . وأطلق الفسق في مواضع من القرآن على العصيان العظيم ، وتقدم في سورة البقرة [ 26 ] عند قوله تعالى :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
.
والأمر في قوله :
عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
بمعنى المأمور ، أي ترك وابتعد عما أمره اللّه به .
والعدول في قوله :
عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
إلى التعريف بطريق الإضافة دون الضمير لتفظيع فسق الشيطان عن أمر اللّه بأنه فسق عبد عن أمر من تجب عليه طاعته لأنه مالكه .