ومعنى
وَخَيْرٌ أَمَلًا
أن أمل الآمل في المال والبنين إنما يأمل حصول أمر مشكوك في حصوله ومقصور على مدته . وأما الآمل لثواب الأعمال الصالحة فهو يأمل حصول أمر موعود به من صادق الوعد ، ويأمل شيئا تحصل منه منفعة الدنيا ومنفعة الآخرة كما قال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ النحل : 97 ] . فلا جرم كان قوله :
وَخَيْرٌ أَمَلًا
بالتحقق والعموم تذييلا لما قبله .
[ 47 ، 48 ]
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 47 إلى 48 ]
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 47 ) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ( 48 )
عطف على جملة
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا
[ الكهف : 45 ] . فلفظ ( يوم ) منصوب بفعل مضمر ، تقديره : اذكر ، كما هو متعارف في أمثاله . فبعد أن بين لهم تعرض ما هم فيه من نعيم إلى الزوال على وجه الموعظة ، أعقبه بالتذكير بما بعد ذلك الزوال بتصوير حال البعث وما يترقبهم فيه من العقاب على كفرهم به ، وذلك مقابلة لضده المذكور في قوله :
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ
[ الكهف : 46 ] .
ويجوز أن يكون الظرف متعلقا بمحذوف غير فعل ( اذكر ) يدل عليه مقام الوعيد مثل : يرون أمرا مفظعا أو عظيما أو نحو ذلك مما تذهب إلى تقديره نفس السامع . ويقدر المحذوف متأخرا عن الظرف وما اتصل به لقصد تهويل اليوم وما فيه .
ولا يجوز أن يكون الظرف متعلقا بفعل القول المقدر عند قوله :
لَقَدْ جِئْتُمُونا
إذ لا يناسب موقع عطف هذه الجملة على التي قبلها ، ولا وجه معه لتقديم الظرف على عامله .
وتسيير الجبال : نقلها من مواضعها بزلزال أرضي عظيم ، وهو مثل قوله تعالى :
وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ
[ التكوير : 3 ] وقوله تعالى :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
[ النّمل : 88 ] . وقيل : أطلق التسيير على تناثر أجزائها . فالمراد : ويوم نسير كل جبل من الجبال ، فيكون كقوله :
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
[ القارعة : 5 ] وقوله :
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا
[ الواقعة : 5 - 6 ] وقوله :
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً
[ النبأ : 20 ] . والسبب واحد ، والكيفيتان متلازمتان ، وهو من أحوال