[ 45 ]
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 45 ]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 )
كان أعظم حائل بين المشركين وبين النظر في أدلة الإسلام انهماكهم في الإقبال على الحياة الزائلة ونعيمها ، والغرور الذي غر طغاة أهل الشرك وصرفهم عن إعمال عقولهم في فهم أدلة التوحيد والبعث كما قال تعالى :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا
[ المزمل : 11 ] ، وقال :
أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[ القلم : 14 - 15 ] .
وكانوا يحسبون هذا العالم غير آيل إلى الفناء
وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
[ الجاثية : 24 ] . وما كان أحد الرجلين اللذين تقدمت قصتهما إلا واحدا من المشركين إذ قال :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
[ الكهف : 36 ] .
فأمر اللّه رسوله بأن يضرب لهم مثل الحياة الدنيا التي غرتهم بهجتها .
والحياة الدنيا : تطلق على مدة بقاء الأنواع الحية على الأرض وبقاء الأرض على حالتها . فإطلاق اسم
الْحَياةِ الدُّنْيا
على تلك المدة لأنها مدة الحياة الناقصة غير الأبدية لأنها مقدر زوالها ، فهي دنيا .
وتطلق الحياة الدنيا على مدة حياة الأفراد ، أي حياة كل أحد . ووصفها ب ( الدنيا ) بمعنى القريبة ، أي الحاضرة غير المنتظرة ، كنى عن الحضور بالقرب ، والوصف للاحتراز عن الحياة الآخرة وهي الحياة بعد الموت .
والكاف في قوله :
كَماءٍ
في محل الحال من ( الحياة ) المضاف إليه ( مثل ) . أي اضرب لهم مثلا لها حال أنها كماء أنزلناه .
وهذا المثل منطبق على الحياة الدنيا بإطلاقيها ، فهما مرادان منه . وضمير
لَهُمْ
عائد إلى المشركين كما دل عليه تناسق ضمائر الجمع الآتية في قوله :
وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ
-
وَعُرِضُوا
-
بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
[ الكهف : 47 - 48 ] .
واختلاط النبات : وفرته والتفاف بعضه ببعض من قوة الخصب والازدهار .
والباء في قوله : ( به ) باء السببية . والضمير عائد إلى ( ماء ) أي فاختلط النبات بسبب الماء ، أي اختلط بعض النبات ببعض . وليست الباء لتعدية فعل
فَاخْتَلَطَ
إلى المفعول