تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
عطف بعض أحوالهم على بعض . انتقل إلى ذكره بمناسبة الإشارة إلى تحقيق رجائهم في ربهم حين قال بعضهم لبعض
يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً
[ الكهف : 16 ] . وهذا حال عظيم وهو ما هيأ اللّه لهم في أمرهم من مرفق ، وأن ذلك جزاؤهم على اهتدائهم وهو من لطف اللّه بهم . والخطاب لغير معين . والمعنى : يرى من تمكنه الرؤية . وهذا كثير في الاستعمال ، ومنه قول النابغة :
ترى عافيات الطير قد وثقت لها * بشبع من السخل العتاق الأكائل
وقد أوجز من الخبر أنهم لما قال بعضهم لبعض
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ
[ الكهف : 16 ] أنهم أووا إليه . والتقدير : فأخذوا بنصيحته فأووا إلى الكهف . ودل عليه قوله في صدر القصة
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ
[ الكهف : 10 ] فرد عجز الكلام على صدره . و
تَزاوَرُ
مضارع مشتق من الزور - بفتح الزاي - ، وهو الميل . وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر - بفتح التاء وتشديد الزاي بعدها ألف وفتح الواو - . وأصله : تتزاور - بتاءين أدغمت تاء التفاعل في الزاي تخفيفا - . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف - بتخفيف الزاي - على حذف إحدى التاءين وهي تاء المضارعة للتخفيف اجتزاء برفع الفعل الدال على المضارعة - . وقرأه ابن عامر ويعقوب تزور - بفتح التاء بعدها زاي ساكنة وبفتح الواو وتشديد الراء - بوزن تحمرّ . وكلها أبنية مشتقة من الزور بالتحريك ، وهو الميل عن المكان ، قال عنترة : فازورّ من وقع القنا بلبانه أي مال بعض بدنه إلى بعض وانقبض . والإتيان بفعل المضارعة للدلالة على تكرر ذلك كل يوم . و
تَقْرِضُهُمْ
أي تنصرف عنهم . وأصل القرض القطع ، أي أنها لا تطلع في كهفهم . و
ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ
بمعنى صاحبة ، وهي صفة لمحذوف يدل عليه الكلام ، أي الجهة صاحبة اليمين . وتقدم الكلام على
ذاتَ
عند قوله تعالى :
وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ
في سورة الأنفال [ 1 ] .