تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا * والموت أكرم نزّال على الحرم
أخشى فظاظة عمّ أو جفاء أخ * وكنت أخشى عليها من أذى الكلم
فلتحذير المسلمين من آثار هذه الخواطر ذكروا بتحريم الوأد وما في معناه . وقد كان ذلك في جملة ما تؤخذ عليه بيعة النساء المؤمنات كما في آية سورة الممتحنة . ومن فقرات أهل الجاهلية : دفن البنات . من المكرمات . وكلتا الحالتين من أسباب قتل الأولاد تستلزم الأخرى وإنما التوجيه للمنظور إليه بادئ ذي بدء . الوجه الثاني : فمن أجل هذا الاعتبار في الفرق للوجه الأول قيل هنالك
نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ
بتقديم ضمير الآباء على ضمير الأولاد ، لأن الإملاق الدافع للوأد المحكي به في آية الأنعام هو إملاق الآباء فقدم الإخبار بأن اللّه هو رازقهم وكمل بأنه رازق بناتهم . وأما الإملاق المحكي في هذه الآية فهو الإملاق المخشي وقوعه . والأكثر أنه توقع إملاق البنات كما رأيت في الأبيات ، فلذلك قدم الإعلام بأن اللّه رازق الأبناء وكمل بأنه رازق آبائهم . وهذا من نكت القرآن . والإملاق : الافتقار . وتقدم الكلام على الوأد عند قوله تعالى :
وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ
في سورة الأنعام [ 137 ] . وجملة
نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ
معترضة بين المتعاطفات . وجملة
إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً
تأكيد للنهي وتحذير من الوقوع في المنهي ، وفعل
كانَ
تأكيد للجملة . والمراد بالأولاد خصوص البنات لأنهن اللاتي كانوا يقتلونهن وأدا ، ولكن عبر عنهن بلفظ الأولاد في هذه الآية ونظائرها لأن البنت يقال لها : ولد . وجرى الضمير على اعتبار اللفظ في قوله
نَرْزُقُهُمْ
. و ( الخطء ) - بكسر الخاء وسكون الطاء - مصدر خطئ بوزن فرح ، إذا أصاب إثما ، ولا يكون الإثم إلا عن عمد ، قال تعالى :
إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ
[ القصص : 8 ] وقال :
ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ
[ العلق : 16 ] . وأما الخطأ - بفتح الخاء والطاء - فهو ضد العمد . وفعله : أخطأ . واسم الفاعل مخطئ ، قال تعالى :
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ
[ الأحزاب : 5 ] . وهذه التفرقة هي سر العربية وعليها المحققون من أئمتها .