تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
وَيَقْدِرُ
ضد
يَبْسُطُ
. وقد تقدم عند قوله تعالى :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
في سورة الرعد [ 26 ] . وجملة
إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
تعليل لجملة
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
إلى آخرها ، أي هو يفعل ذلك لأنه عليم بأحوال عباده وما يليق بكل منهم بحسب ما جبلت عليه نفوسهم ، وما يحف بهم من أحوال النظم العالمية التي اقتضتها الحكمة الإلهية المودعة في هذا العالم . والخبير : العالم بالأخبار . والبصير : العالم بالمبصرات . وهذان الاسمان الجليلان يرجعان إلى معنى بعض تعلق العلم الإلهي . [ 31 ]

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 31 ]

وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ( 31 ) عطف جملة حكم على جملة حكم للنهي عن فعل ينشأ عن اليأس من رزق اللّه . وهذه الوصية السابعة من الأحكام المذكورة في آية
وَقَضى رَبُّكَ
الآية [ الإسراء : 23 ] . وغيّر أسلوب الإضمار من الإفراد إلى الجمع لأن المنهي عنه هنا من أحوال الجاهلية زجرا لهم عن هذه الخطيئة الذميمة ، وتقدم الكلام على نظير هذه الآية في سورة الأنعام ؛ ولكن بين الآيتين فرقا في النظم من وجهين : الأول : أنه قيل هنا
خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
وقيل في آية الأنعام
مِنْ إِمْلاقٍ
[ الأنعام : 151 ] . ويقتضي ذلك أن الذين كانوا يئدون بناتهم يئدونهن لغرضين : إما لأنهم فقراء لا يستطيعون إنفاق البنت ولا يرجون منها إن كبرت إعانة على الكسب فهم يئدونها لذلك ، فذلك مورد قوله في الأنعام
مِنْ إِمْلاقٍ
، فإن ( من ) التعليلية تقتضي أن الإملاق سبب قتلهن فيقتضي أن الإملاق موجود حين القتل . وإما أن يكون الحامل على ذلك ليس فقر الأب ولكن خشية عروض الفقر له أو عروض الفقر للبنت بموت أبيها ، إذ كانوا في جاهليتهم لا يورثون البنات ، فيكون الدافع للوأد هو توقع الإملاق ، كما قال إسحاق بن خلف ، شاعر إسلامي قديم :
إذا تذكرت بنتي حين تندبني * فاضت لعبرة بنتي عبرتي بدم
أحاذر الفقر يوما أن يلم بها * فيهتك الستر عن لحم على وضم