والنفس هنا الذات كقوله تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ النساء : 29 ] وقوله :
أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
[ المائدة : 32 ] وقوله :
وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ
[ لقمان : 34 ] . وتطلق النفس على الروح الإنساني وهي النفس الناطقة .
والقتل : الإماتة بفعل فاعل ، أي إزالة الحياة عن الذات .
وقوله :
حَرَّمَ اللَّهُ
حذف العائد من الصلة إلى الموصول لأنه ضمير منصوب بفعل الصلة وحذفه كثير . والتقدير : حرمها اللّه . وعلق التحريم بعين النفس ، والمقصود تحريم قتلها .
ووصفت النفس بالموصول والصلة بمقتضى كون تحريم قتلها مشهورا من قبل هذا النهي ، إما لأنه تقرر من قبل بآيات أخرى نزلت قبل هذه الآية وقبل آية الأنعام حكما مفرقا وجمعت الأحكام في هذه الآية وآية الأنعام ، وإما لتنزيل الصلة منزلة المعلوم لأنها مما لا ينبغي جهله فيكون تعريضا بأهل الجاهلية الذين كانوا يستخفون بقتل النفس بأنهم جهلوا ما كان عليهم أن يعلموه ، تنويها بهذا الحكم . وذلك أن النظر في خلق هذا العالم يهدي العقول إلى أن اللّه أوجد الإنسان ليعمر به الأرض ، كما قال تعالى :
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها
[ هود : 61 ] ، فالإقدام على إتلاف نفس هدم لما أراد اللّه بناءه ، على أنه قد تواتر وشاع بين الأمم في سائر العصور والشرائع من عهد آدم صون النفوس من الاعتداء عليها بالإعدام ، فبذلك وصفت بأنها التي حرم اللّه ، أي عرفت بمضمون هذه الصلة .
واستثني من عموم النهي القتل المصاحب للحق ، أي الذي يشهد الحق أن نفسا معينة استحقت الإعدام من المجتمع ، وهذا مجمل يفسره في وقت النزول ما هو معروف من أحكام القود على وجه الإجمال .
ولما كانت هذه الآيات سيقت مساق التشريع للأمة وإشعارا بأن سيكون في الأمة قضاء وحكم فيما يستقبل أبقي مجملا حتى تفسره الأحكام المستأنفة من بعد ، مثل آية
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً
إلى قوله :
وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً
[ النساء :
92 - 93 ] .
فالباء في قوله :
بِالْحَقِّ
للمصاحبة ، وهي متعلّقة بمعنى الاستثناء ، أي إلا قتلا