تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
من حجر الصوان ، فالأظهر أنه بآلة الحديد ، ومن الحديد تتخذ السلاسل للقيد ، والمقامع للضرب ، وسيأتي قوله تعالى :
وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ
في سورة الحج [ 21 ] . والخلق : يعنى المخلوق ، أي أو خلقا آخر مما يعظم في نفوسكم عن قبوله الحياة ويستحيل عندكم على اللّه إحياؤه مثل الفولاذ والنحاس . وقوله :
مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ
صفة
خَلْقاً
. ومعنى
يَكْبُرُ
يعظم وهو عظم مجازي بمعنى القوي في نوعه وصفاته ، والصدور : العقول ، أي مما تعدونه عظيما لا يتغير . وفي الكلام حذف دل عليه الكلام المردود وهو قولهم :
أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
[ الإسراء : 49 ] . والتقدير : كونوا أشياء أبعد عن قبول الحياة من العظام والرفات . والمعنى : لو كنتم حجارة أو حديدا لأحياكم اللّه ، لأنهم جعلوا كونهم عظاما حجة لاستحالة الإعادة ، فرد عليهم بأن الإعادة مقدرة للّه تعالى ولو كنتم حجارة أو حديدا ، لأن الحجارة والحديد أبعد عن قبول الحياة من العظام والرفات إذ لم يسبق فيهما حلول الحياة قط بخلاف الرفات والعظام . والتفريع في
فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا
على جملة
قُلْ كُونُوا حِجارَةً
أي قل لهم ذلك فسيقولون لك : من يعيدنا . وجعل سؤالهم هنا عن المعيد لا عن أصل الإعادة لأن البحث عن المعيد أدخل في الاستحالة من البحث عن أصل الإعادة ، فهو بمنزلة الجواب بالتسليم الجدلي بعد الجواب بالمنع فإنهم نفوا إمكان إحياء الموتى ، ثم انتقلوا إلى التسليم الجدلي لأن التسليم الجدلي أقوى ، في معارضة الدعوى ، من المنع . والاستفهام في
مَنْ يُعِيدُنا
تهكمي . ولما كان قولهم هذا محقق الوقوع في المستقبل أمر النبي بأن يجيبهم عندما يقولونه جواب تعيين لمن يعيدهم إبطالا للازم التهكم ، وهو الاستحالة في نظرهم بقوله :
قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
إجراء لظاهر استفهامهم على أصله بحمله على خلاف مرادهم ، لأن ذلك أجدر على طريقة الأسلوب الحكيم لزيادة المحاجة ، كقوله في محاجة موسى لفرعون
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
[ الشعراء : 25 - 26 ] .