تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
عطف جزء من قصة قوم لوط وهو الجزء الأهم فيها . ومجيء أهل المدينة إليه ومحاورته معهم كان قبل أن يعلم أنهم ملائكة ولو علم ذلك لما أشفق مما عزم عليه أهل المدينة لمّا علم بما عزموا عليه بعد مجادلتهم معه ، كما جاء في قوله تعالى :
قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ
في سورة هود [ 81 ] . والواو لا تفيد ترتيب معطوفها . ويجوز جعل الجملة في موضع الحال من ضمير لوط المستتر في فعل
قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
[ سورة الحجر : 62 ] ، أو من الهاء في
إِلَيْهِ
، ولا إشكال حينئذ . والمدينة هي سدوم . و
يَسْتَبْشِرُونَ
يفرحون ويسرون . وهو مطاوع بشره فاستبشر ، قال تعالى :
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ
في سورة براءة [ 111 ] . وصيغ بصيغة المضارع لإفادة التجدد مبالغة في الفرح . ذلك أنهم علموا أن رجالا غرباء حلوا ببيت لوط - عليه السّلام - ففرحوا بذلك ليغتصبوهم كعادتهم السيئة . وقد تقدمت القصة في سورة هود . والفضح والفضيحة : شهرة حال شنيعة . وكانوا يتعيرون بإهانة الضيف ويعد ذلك مذلة لمضيفه . وقد ذكرهم بالوازع الديني وإن كانوا كفارا استقصاء للدعوة التي جاء بها ، وبالوازع العرفي فقال :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ
كما في قول عبد بني الحسحاس : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا والخزي : الذلّ والإهانة . وتقدم في قوله تعالى :
إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
في أوائل سورة البقرة [ 85 ] . وتقدم في مثل هذه القصة في سورة هود . [ 70 - 77 ]

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 70 إلى 77 ]

قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ( 70 ) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 71 ) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 72 ) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ( 73 ) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ( 74 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( 75 ) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ( 76 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 77 ) الواو في
أَ وَلَمْ نَنْهَكَ
عطف على كلام لوط - عليه السّلام - جار على طريقة العطف على كلام الغير كقوله تعالى :
قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
بعد قوله تعالى :
قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
في سورة البقرة [ 124 ] .