تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
الحجر : 39 ، 40 ] ، فكلّما حدث في جبلّته فصل من تلك الماهية صدر منه قول يدل عليه ؛ فهو شبيه بنطق الجوارح بالشهادة على أهل الضلالة يوم الحساب . وأما الأقوال الإلهية التي أجيبت بها أقوال الشيطان فمظهر للأوامر التكوينية التي قدّرها اللّه تعالى في علمه لتطور أطوار إبليس المقومة لماهية الشيطنة ، وللألطاف التي قدرها اللّه لمن يعتصم بها من عباده لمقاومة سلطان الشيطان . وليست تلك الأقوال كلها بمناظرة بين اللّه وأحد مخلوقاته ولا بغلبة من الشيطان لخالقه ، فإن ضعفه تجاه عزّة خالقه لا يبلغ به إلى ذلك . [ 45 - 48 ]

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 45 إلى 48 ]

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 45 ) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ( 46 ) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ( 47 ) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ ( 48 ) استئناف ابتدائي ، انتقال من وعيد المجرمين إلى بشارة المتّقين على عادة القرآن في التفنن . والمتّقون : الموصوفون بالتقوى . وتقدمت عند صدر سورة البقرة . والجنّات : جمع جنة . وقد تقدمت عند قوله تعالى
أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
في أول سورة البقرة [ 25 ] . والعيون : جمع عين اسم لثقب أرضي يخرج منه الماء من الأرض . فقد يكون انفجارها بدون عمل الإنسان . وأسبابه كثيرة تقدمت عند قوله تعالى :
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ
في سورة البقرة [ 74 ] . وقد يكون بفعل فاعل وهو التفجير . وجملة
ادْخُلُوها
معمولة لقول محذوف يقدر حالا من
الْمُتَّقِينَ
والقرينة ظاهرة . والتقدير : يقال لهم ادخلوها . والقائل هو الملائكة عند إدخال المتقين الجنة . والباء من
بِسَلامٍ
للمصاحبة . والسلام : التحية . وتقدم في قوله :
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
في سورة الأنعام [ 54 ] . والأمن النجاة من الخوف .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 44 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور