تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
انتشاره في جميع ما على الأرض من الذوات وأحوالها . وضمائر :
لَهُمْ
، و
لَأُغْوِيَنَّهُمْ
و
مِنْهُمُ
، لبني آدم ، لأنه قد علم علما ألقي في وجدانه بأن آدم - عليه السلام - ستكون له ذرية ، أو اكتسب ذلك من أخبار العالم العلوي أيام كان من أهله وملئه . وجعل المغوين هم الأصل ، واستثني منهم عباد اللّه المخلصين لأن عزيمته منصرفة إلى الإغواء ، فهو الملحوظ ابتداء عنده ، على أن المغوين هم الأكثر . وعكسه قوله تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ
[ سورة الحجر : 42 ] . والاستثناء لا يشعر بقلّة المستثنى بالنسبة للمستثنى منه ولا العكس . وقرئ
الْمُخْلَصِينَ
- بفتح اللام - لنافع وحمزة وعاصم والكسائي على معنى الذين أخلصتهم وطهّرتهم . و - بكسر اللام - لابن كثير وابن عامر وأبي عمرو ، أي الذين أخلصوا لك في العمل . [ 41 - 42 ]

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 41 إلى 44 ]

قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ( 41 ) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 43 ) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ( 44 ) الصراط المستقيم : هو الخبر والرشاد . فالإشارة إلى ما يؤخذ من الجملة الواقعة بعد اسم الإشارة المبيّنة للإخبار عن اسم الإشارة وهي جملة
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
، فتكون الإشارة إلى غير مشاهد تنزيلا له منزلة المشاهد ، وتنزيلا للمسموع منزلة المرئي . ثم إن هذا المنزل منزلة المشاهد هو مع ذلك غير مذكور لقصد التشويق إلى سماعه عند ذكره . فاسم الإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن ، كما يكتب في العهود والعقود : هذا ما قاضي عليه فلان فلانا أنه كيت وكيت ، أو هذا ما اشترى فلان من فلان أنه باعه كذا وكذا . ويجوز أن تكون الإشارة إلى الاستثناء الذي سبق في حكاية كلام إبليس من قوله :
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
[ سورة الحجر : 40 ] لتضمنه أنه لا يستطيع غواية العباد الذين أخلصهم اللّه للخير ، فتكون جملة
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
مستأنفة