تكملة لإقامة الدليل على انفراده تعالى بخلق أجناس العوالم وما فيها . ومنه يتخلص إلى التذكير بعداوة الشيطان للبشر ليأخذوا حذرهم منه ويحاسبوا أنفسهم على ما يخامرها من وسواسه بما يرديهم . جاء بمناسبة ذكر الإحياء والإماتة فإن أهم الإحياء هو إيجاد النوع الإنساني . ففي هذا الخبر استدلال على عظيم القدرة والحكمة وعلى إمكان البعث ، وموعظة وذكرى . والمراد بالإنسان آدم - عليه السلام - .
والصلصال : الطين الذي يترك حتى ييبس فإذا يبس فهو صلصال وهو شبه الفخّار ؛ إلا أن الفخّار هو ما يبس بالطبخ بالنّار . قال تعالى :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ
[ سورة الرحمن : 14 ] .
والحمأ : الطين إذا اسودّ وكرهت رائحته . وقوله :
مِنْ حَمَإٍ
صفة ل
صَلْصالٍ
و
مَسْنُونٍ
صفة ل
حَمَإٍ
أو ل
صَلْصالٍ
. وإذا كان الصلصال من الحمأ فصفة أحدهما صفة للآخر .
والمسنون : الذي طالت مدة مكثه ، وهو اسم مفعول من فعل سنّه إذا تركه مدة طويلة تشبه السّنة . وأحسب أن فعل ( سن ) بمعنى ترك شيئا مدة طويلة غير مسموع .
ولعل ( تسنّه ) بمعنى تغيّر من طول المدّة أصله مطاوع سنه ثم تنوسي منه معنى المطاوعة . وقد تقدم قوله تعالى
لَمْ يَتَسَنَّهْ
في سورة البقرة [ 259 ] .
والمقصود من ذكر هذه الأشياء التنبيه على عجيب صنع اللّه تعالى إذ أخرج من هذه الحالة المهينة نوعا هو سيد أنواع عالم المادة ذات الحياة .
وفيه إشارة إلى أن ماهية الحياة تتقوم من الترابية والرطوبة والتعفن ، وهو يعطي حرارة ضعيفة . ولذلك تنشأ في الأجرام المتعفّنة حيوانات مثل الدود ، ولذلك أيضا تنشأ في الأمزجة المتعفّنة الحمى .
وفيه إشارة إلى الأطوار التي مرّت على مادة خلق الإنسان .
وتوكيد الجملة بلام القسم وبحرف ( قد ) لزيادة التحقيق تنبيها على أهميّة هذا الخلق وأنه بهذه الصفة .
وعطف جملة
وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ
إدماج وتمهيد إلى بيان نشأة العداوة بين بني آدم وجند إبليس .