تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
على خلاف القياس لأن فعله رباعي . وقد تقدم عند قوله تعالى
لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
في سورة الأعراف [ 34 ] . وقد تقدم في طالع تفسير هذه السورة الخبر الذي أخرجه الترمذي في جامعه من طريق نوح بن قيس ومن طريق جعفر بن سليمان في سبب نزول هذه الآية . وهو خبر واه لا يلاقي انتظام هذه الآيات ولا يكون إلا من التفاسير الضعيفة . وجملة
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ
نتيجة هذه الأدلة من قوله :
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ
[ سورة الحجر : 23 ] فإن الّذي يحيي الحياة الأولى قادر على الحياة الثانية بالأولى ، والّذي قدّر الموت ما قدره عبثا بعد أن أوجد الموجودات إلّا لتستقبلوا حياة أبدية ؛ ولولا ذلك لقدر الدّوام على الحياة الأولى ، قال تعالى :
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ سورة الملك : 2 ] . وللإشارة إلى هذا المعنى من حكمة الإحياء والإماتة أتبعه بقوله :
إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
تعليلا لجملة
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ
لأن شأن
إِنَّ
إذا جاءت في غير معنى الرد على المنكر أن تفيد معنى التعليل والربط بما قبلها . والحكيم الموصوف بالحكمة . وتقدم عند قوله تعالى :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
[ سورة البقرة : 269 ] وعند قوله تعالى :
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
في سورة البقرة [ 209 ] . و « العليم » الموصوف بالعلم العام ، أي المحيط . وتقدم عند قوله تعالى :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
في سورة آل عمران [ 140 ] . وقد أكدت جملة
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ
بحرف التوكيد وبضمير الفصل لرد إنكارهم الشديد للحشر . وقد أسند الحشر إلى اللّه بعنوان كونه رب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم تنويها بشأن النبي - عليه الصلاة والسلام - لأنهم كذبوه في الخبر عن البعث
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ
[ سورة سبأ : 7 - 8 ] أي فكيف ظنك بجزائه مكذبيك إذا حشرهم . [ 26 ، 27 ]

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 26 إلى 27 ]

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 )
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 33 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور