تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
وثانيها : أن شريعة الإسلام امتازت بنهاية مبالغ الحق والصلاح ، فجاءت بما لم تجىء به الشرائع السالفة لأن اللّه أراد بلوغ أتباعها أوج الكمال في المدارك ، ولم يكن السجود من قبل محظورا فقد سجد يعقوب وأبناؤه ليوسف - عليهم السلام - وكانوا أهل إيمان . وثالثها : أن هذا إخبار عن أحوال العالم العلوي ، ولا تقاس أحكامه على تكاليف عالم الدنيا . وقوله :
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
عنوان على طاعة الملائكة . و
كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
تأكيد على تأكيد ، أي لم يتخلّف عن السجود أحد منهم . وقوله :
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
تقدم القول على نظيره في سورة البقرة وسورة الأعراف . وقوله هنا
أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
بيان لقوله في سورة البقرة [ 34 ]
وَاسْتَكْبَرَ
، لأنه أبى أن يسجد وأن يساوي الملائكة في الرضى بالسجود . فدلّ هذا على أنه عصى وأنه ترفّع عن متابعة غيره . وجملة
ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
استفهام توبيخ . ومعناه أي شيء ثبت لك ، أي متمكنا منك ، لأن اللام تفيد الملك . و
أَلَّا تَكُونَ
معمول لحرف جر محذوف تقديره ( في ) . وحذف حرف الجر مطرد مع ( أن ) . وحرف ( أن ) يفيد المصدرية . فالتقدير في انتفاء كونك من الساجدين . وقوله :
لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ
جحود . وقد تقدم أنه أشد في النفي من ( لا أسجد ) في قوله تعالى :
ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ
في آخر العقود [ المائدة : 116 ] . وقوله :
لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
تأييد لإباءته من السجود بأن المخلوق من ذلك الطين حقير ذميم لا يستأهل السجود . وهذا ضلال نشأ عن تحكيم الأوهام بإعطاء الشيء حكم وقعه في الحاسة الوهمية دون وقعه في الحاسة العقلية ، وإعطاء حكم ما منه التكوين للشيء الكائن . فشتّان بين ذكر ذلك في قوله تعالى للملائكة :
إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
وبين مقصد الشيطان من حكاية ذلك في تعليل امتناعه من السجود للمخلوق منه بإعادة اللّه الألفاظ التي وصف بها الملائكة . وزاد فقال ما حكي عنه في سورة ص [ 76 ] إذ قال :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ