تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
والبنين ، بتقدير : أعرست ، يدل عليه المقام ، وهي إما متعلقة ب
ادْعُ
، أو في موضع الحال من ضمير
ادْعُ
. وحذف مفعول
ادْعُ
لقصد التعميم ، أو لأن الفعل نزل منزلة اللازم ، لأن المقصود الدوام على الدعوة لا بيان المدعوين ، لأن ذلك أمر معلوم من حال الدعوة . ومعنى الملابسة يقتضي أن لا تخلو دعوته إلى سبيل اللّه عن هاتين الخصلتين : الحكمة ، والموعظة الحسنة . فالحكمة : هي المعرفة المحكمة ، أي الصائبة المجرّدة عن الخطأ ، فلا تطلق الحكمة إلا على المعرفة الخالصة عن شوائب الأخطاء وبقايا الجهل في تعليم الناس وفي تهذيبهم . ولذلك عرّفوا الحكمة بأنها : معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية بحيث لا تلتبس على صاحبها الحقائق المتشابهة بعضها ببعض ولا تخطئ في العلل والأسباب . وهي اسم جامع لكل كلام أو علم يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم إصلاحا مستمرا لا يتغيّر . وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
في سورة البقرة [ 269 ] مفصّلا فانظره . وتطلق الحكمة على العلوم الحاصلة للأنبياء ، ويرادفها الحكم . و
الْمَوْعِظَةِ
: القول الذي يلين نفس المقول له لعمل الخير . وهي أخصّ من الحكمة لأنها حكمة في أسلوب خاص لإلقائها . وتقدمت عند قوله تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ
في سورة النساء [ 63 ] . وعند قوله :
مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
في سورة الأعراف [ 145 ] . ووصفها بالحسن تحريض على أن تكون ليّنة مقبولة عند الناس ، أي حسنة في جنسها ، وإنما تتفاضل الأجناس بتفاضل الصفات المقصودة منها . وعطف
الْمَوْعِظَةِ
على « الحكمة » لأنها تغاير الحكمة بالعموم والخصوص الوجهي ، فإنه قد يسلك بالموعظة مسلك الإقناع ، فمن الموعظة حكمة ، ومنها خطابة ، ومنها جدل . وهي من حيث ماهيّتها بينها وبين الحكمة العموم والخصوص من وجه ، ولكن المقصود بها ما لا يخرج عن الحكمة والموعظة الحسنة بقرينة تغيير الأسلوب ، إذ لم يعطف مصدر المجادلة على الحكمة والموعظة بأن يقال : والمجادلة بالتي هي أحسن ، بل