تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
هذا ردّ لقولهم :
إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
[ سورة النحل : 101 ] بقلب ما زعموه عليهم ، كما كان قوله تعالى :
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ
[ سورة النحل : 103 ] جوابا عن قولهم :
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
[ سورة النحل : 103 ] . فبعد أن نزّه القرآن عن أن يكون مفترى والمنزّل عليه عن أن يكون مفتريا ثني العنان لبيان من هو المفتري . وهذا من طريقة القلب في الحال . ووجه مناسبة ذكره هنا أن قولهم :
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
يستلزم تكذيب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أن ما جاء به منزّل إليه من عند اللّه ، فصاروا بهذا الاعتبار يؤكّدون بمضمونه قولهم :
إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
يؤكّد أحد القولين القول الآخر ، فلما ردّ قولهم :
إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
بقوله :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
[ سورة النحل : 101 - 102 ] . وردّت مقالتهم الأخرى في صريحها بقوله
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ
، وردّ مضمونها هنا بقوله
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
الآية ، حاصلا به ردّ نظيرها أعني قولهم
إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
بكلام أبلغ من كلامهم ، لأنهم أتوا في قولهم
إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
بصيغة قصر هي أبلغ مما قالوه ، لأن قولهم :
إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
قصر للمخاطب على صفة الافتراء الدائمة ، إذ الجملة الاسمية تقتضي الثبات والدّوام ، فردّ عليهم بصيغة تقصرهم على الافتراء المتكرّر المتجدّد ، إذ المضارع يدلّ على التجدّد . وأكّد فعل الافتراء بمفعوله الذي هو بمعنى المفعول المطلق لكونه آئلا إليه المعنى . وعرّف
الْكَذِبَ
بأداة تعريف الجنس الدّالة على تميّز ماهية الجنس واستحضارها ، فإن تعريف اسم الجنس أقوى من تنكيره ، كما تقدّم في قوله تعالى
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ سورة الفاتحة : 2 ] . وعبّر عن المقصور عليهم باسم الموصول دون أن يذكر ضميرهم ، فيقال : إنما يفتري الكذب أنتم ، ليفيد اشتهارهم بمضمون الصّلة ، ولأن للصّلة أثرا في افترائهم ، لما تفيده الموصولية من الإيماء إلى وجه بناء الخبر . وعليه فإن من لا يؤمن بالدلائل الواضحة التي هي آيات صدق لا يسعه إلا الافتراء لترويج تكذيبه بالدلائل الواضحة . وفي هذا كناية عن كون تكذيبهم بآيات اللّه عن مكابرة لا عن شبهة . ثم أردفت جملة القصر بجملة قصر أخرى بطريق ضمير الفصل وطريق تعريف