تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
لتلبيس آخر مما يلبّسون به على عامّتهم ، وذلك أن يقولوا : إن محمدا يتلقّى القرآن من رجل من أهل مكة . قيل : قائل ذلك الوليد بن المغيرة وغيره ، قال عنه تعالى :
فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
[ سورة المدثر : 24 ] ، أي لا يلقّنه ملك بل يعلّمه إنسان ، وقد عيّنوه بما دلّ عليه قوله تعالى
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ
. وافتتاح الجملة بالتأكيد بلام القسم و ( قد ) يشير إلى أن خاصة المشركين كانوا يقولون ذلك لعامّتهم ولا يجهرون به بين المسلمين لأنه باطل مكشوف ، وأن اللّه أطلع المسلمين على ذلك . فقد كان في مكّة غلام روميّ كان مولى لعامر بن الحضرمي اسمه جبر كان يصنع السيوف بمكّة ويقرأ من الإنجيل ما يقرأ أمثاله من عامّة النصارى من دعوات الصلوات ، فاتّخذ زعماء المشركين من ذلك تمويها على العامة ، فإن معظم أهل مكّة كانوا أمّيين فكانوا يحسبون من يتلو كلمات يحفظها ولو محرّفة ، أو يكتب حروفا يتعلّمها ، يحسبونه على علم ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما جانبه قومه وقاطعوه يجلس إلى هذا الغلام ، وكان هذا الغلام قد أظهر الإسلام فقالت قريش . هذا يعلّم محمدا ما يقوله . وقيل : كان غلام رومي اسمه بلعام ، كان عبدا بمكة لرجل من قريش ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقف عليه يدعوه إلى الإسلام ، فقالوا : إن محمدا يتعلّم منه ، وكان هذا العبد يقول : إنّما يقف عليّ يعلّمني الإسلام . وظاهر الإفراد في
إِلَيْهِ
أن المقصود رجل واحد . وقد قيل : المراد عبدان هما جبر ويسار كانا قنّين ، فيكون المراد ب
بَشَرٌ
الجنس ، وبإفراد ضميره جريانه على أفراد معاده . وقد كشف القرآن هذا اللّبس هنا بأوضح كشف إذ قال قولا فصلا دون طول جدال
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
، أي كيف يعلّمه وهو أعجميّ لا يكاد يبين ، وهذا القرآن فصيح عربي معجز . والجملة جواب عن كلامهم ، فهي مستأنفة استئنافا بيانيا لأن قولهم :
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
يتضمّن أنه ليس منزّلا من عند اللّه فيسأل سائل : ما ذا جواب قولهم ؟ فيقال :
لِسانُ الَّذِي . . .
إلخ ، وهذا النّظم نظير نظم قوله تعالى :
قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رسالاته [ سورة الأنعام : 124 ] . وألحد : مثل لحد ، أي مال عن القويم . فهو مما جاء من الأفعال مهموز بمعنى
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 231 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور