تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
عامر بن الحضرمي . وكانوا راودوا نفرا من المسلمين على الارتداد ، منهم : بلال ، وخبّاب بن الأرتّ ، وياسر ، وسميّة أبوا عمار بن ياسر ، وعمّار ابنهما ، فثبتوا على الإسلام . وفتنوا عمارا فأظهر لهم الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان . وفتنوا نفرا آخرين فكفروا ، وذكر منهم الحارث بن ربيعة بن الأسود ، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاصي بن منبّه بن الحجّاج ، وأحسب أن هؤلاء هم الذين نزل فيهم قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ
في سورة العنكبوت [ 10 ] ، فكان من هذه المناسبة ردّ لعجز الكلام على صدره . على أن مضمون
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ
مقابل لمضمون
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
[ سورة النحل : 97 ] ، فحصل الترهيب بعد الترغيب ، كما ابتدئ بالتحذير تحفّظا على الصالح من الفساد ، ثم أعيد الكلام بإصلاح الذين اعتراهم الفساد ، وفتح باب الرخصة للمحافظين على صلاحهم بقدر الإمكان . واعلم أن الآية إن كانت تشير إلى نفر كفروا بعد إسلامهم كانت
مَنْ
موصولة وهي مبتدأ والخبر
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ
. وقرن الخبر بالفاء لأن في المبتدا شبها بأداة الشرط . وقد يعامل الموصول معاملة الشرط ، ووقع في القرآن في غير موضع . ومنه قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ
[ سورة البروج : 10 ] ، وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
إلى قوله
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
في سورة براءة [ 34 ] . وقيل إن فريقا كفروا بعد إسلامهم ، كما روي في شأن جبر غلام ابن الحضرمي . وهذا الوجه أليق بقوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
[ سورة النحل : 108 ] الآية . وإن كان ذلك لم يقع فالآية مجرّد تحذير للمسلمين من العود إلى الكفر ، ولذلك تكون
مَنْ
شرطية ، والشرط غير مراد به معيّن بل هو تحذير ، أي من يكفروا باللّه ، لأن الماضي في الشرط ينقلب إلى معنى المضارع ، ويكون قوله :
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ
جوابا . والتّحذير حاصل على كلا المعنيين . وأما قوله :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
فهو ترخيص ومعذرة لما صدر من عمار بن ياسر وأمثاله إذا اشتدّ عليهم عذاب من فتنوهم .