تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
يبدو للسامع أن مثل لفظ المعوّض - بفتح الواو - جعل عوضا عن مثل لفظ العوض - بالكسر - في آيات مختلفة باختلاف الأغراض من تبشير وإنذار ، أو ترغيب وترهيب ، أو إجمال وبيان ، فيجعله الطاعنون اضطرابا لأن مثله قد كان بدل ولا يتأملون في اختلاف الأغراض . وقد تقدم شيء من هذا المعنى عند قوله تعالى :
ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ
في سورة يونس [ 15 ] . و
مَكانَ آيَةٍ
منصوب على الظرفية المكانية بأن تأتي آية في الدعوة والخطاب في مكان آية أخرى أتت في مثل تلك الدعوة ، فالمكان هنا مكان مجازي ، وهو حالة الكلام والخطاب ، كما يسمّى ذلك مقاما ، فيقال : هذا مقام الغضب ، فلا تأت فيه بالمزح . وليس المراد مكانها من ألواح المصحف ولا بإبدالها محوها منه . وجملة
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ
معترضة بين شرط
إِذا
وجوابها . والمقصود منها تعليم المسلمين لا الردّ على المشركين ، لأنهم لو علموا أن اللّه هو المنزل للقرآن لارتفع البهتان . والمعنى : أنه أعلم بما ينزل من آية بدل آية ، فهو أعلم بمكان الأولى ومكان الثانية ومحمل كلتيهما ، وكل عنده بمقدار وعلى اعتبار . وقرأ الجمهور
بِما يُنَزِّلُ
- بفتح النون وتشديد الزاي - . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو - بسكون النون وتخفيف الزاي - . وحكاية طعنهم في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بصيغة قصر الموصوف على الصّفة ، فجعلوه لا صفة له إلا الافتراء ، وهو قصر إضافي ، أي لست بمرسل من اللّه . وهذا من مجازفتهم وسرعتهم في الحكم الجائر فلم يقتصروا على أن تبديله افتراء بل جعلوا الرسول مقصورا على كونه مفتريا لإفادة أن القرآن الوارد مقصور على كونه افتراء . وأصل الافتراء : الاختراع ، وغلب على اختراع الخبر ، أي اختلاقه ، فساوى الكذب في المعنى ، ولذلك قد يطلق وحده كما هنا ، وقد يطلق مقترنا بالكذب كقوله الآتي :
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
[ سورة النحل : 105 ] إرجاعا به إلى أصل الاختراع فيجعل له مفعول هو آيل إلى معناه فصار في معنى المفعول المطلق . وقد تقدم عند قوله تعالى :
وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
في [ سورة العقود : 103 ] . و
بَلْ
للإضراب الإبطالي على كلامهم ، وهو من طريقة النقض الإجمالي في علم المناظرة .