تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
قفّيت بما اختلقه المشركون من الطّعن فيه بعد تنقلات جاء فيها
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[ سورة النحل : 24 ] ، وأتبع ذلك بتنقلات بديعة فأعيد الكلام على القرآن وفضائله من قوله تعالى :
وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ
[ سورة النحل : 64 ] ثم قوله
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
[ سورة النحل : 89 ] . وجاء في عقب ذلك بشاهد يجمع ما جاء به القرآن ، وذلك آية
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ سورة النحل : 90 ] ، فلما استقرّ ما يقتضي تقرّر فضل القرآن في النفوس نبّه على نفاسته ويمنه بقوله :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
[ سورة النحل : 98 ] ، لا جرم تهيأ المقام لإبطال اختلاق آخر من اختلاقهم على القرآن اختلاقا مموّها بالشبهات كاختلاقهم السابق الذي أشير إليه بقوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[ سورة النحل : 24 ] . ذلك الاختلاق هو تعمّدهم التّمويه فيما يأتي من آيات القرآن مخالفا لآيات أخرى لاختلاف المقتضي والمقام . والمغايرة باللين والشدّة ، أو بالتعميم والتخصيص ، ونحو ذلك مما يتبع اختلافه اختلاف المقامات واختلاف الأغراض واختلاف الأحوال التي يتعلّق بها ، فيتّخذون من ظاهر ذلك دون وضعه مواضعه وحمله محامله مغامز يتشدّقون بها في نواديهم ، يجعلون ذلك اضطرابا من القول ويزعمونه شاهدا باقتداء قائله في إحدى المقالتين أو كلتيهما . وبعض ذلك ناشئ عن قصور مداركهم عن إدراك مرامي القرآن وسموّ معانيه ، وبعضه ناشئ عن تعمّد للتجاهل تعلّقا بظواهر الكلام يلبّسون بذلك على ضعفاء الإدراك من أتباعهم ، ولذلك قال تعالى :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
، أي ومنهم من يعلمون ولكنهم يكابرون . روي عن ابن عباس أنه قال : « كان إذا نزلت آية فيها شدّة ثم نزلت آية ألين منها يقول كفار قريش : واللّه ما محمد إلا يسخر بأصحابه ، اليوم يأمر بأمر وغدا ينهى عنه ، وأنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه » اه . وهذه الكلمة أحسن ما قاله المفسّرون في حاصل معنى هذه الآية . فالمراد من التبديل في قوله تعالى ؛
بَدَّلْنا
مطلق التغاير بين الأغراض والمقامات ، أو التغاير في المعاني واختلافها باختلاف المقاصد والمقامات مع وضوح الجمع بين محاملها . والمرد بالآية الكلام التام من القرآن ، وليس المراد علامة صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أعني المعجزة بقرينة قوله تعالى :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ
. فيشمل التبديل نسخ الأحكام مثل نسخ قوله تعالى :
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 226 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور