تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
قرأه الجمهور وليجزين بياء الغيبة . والضمير عائد إلى اسم الجلالة من قوله تعالى :
بِعَهْدِ اللَّهِ
وما بعده ، فهو النّاهي والواعد فلا جرم كان هو المجازي على امتثال أمره ونهيه . وقرأه ابن كثير وعاصم وابن ذكوان عن ابن عمر في إحدى روايتين عنه وأبو جعفر بنون العظمة فهو التفات . و
أَجْرَهُمْ
منصوب على المفعولية الثانية ل « يجزين » بتضمينه معنى الإعطاء المتعدّي إلى مفعولين . والباء للسببية . و « أحسن » صيغة تفضيل مستعملة للمبالغة في الحسن . كما في قوله تعالى :
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
[ سورة يوسف : 33 ] ، أي بسبب عملهم البالغ في الحسن وهو عمل الدوام على الإسلام مع تجرّع ألم الفتنة من المشركين . وقد أكد الوعد بلام القسم ونون التوكيد . [ 97 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 97 ]

مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) لما كان الوعد المتقدم بقوله تعالى ؛ وليجزين
الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ سورة النحل : 96 ] خاصا بأولئك الذين نهوا عن أن يشتروا بعهد اللّه ثمنا قليلا عقب بتعميمه لكل من ساواهم في الثبات على الإسلام والعمل الصالح مع التبيين للأجر ، فكانت هذه الجملة بمنزلة التذييل للتي قبلها ، والبيان لما تضمّنته من مجمل الأجر . وكلا الاعتبارين يوجب فصلها عمّا قبلها . وقوله تعالى :
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى
تبيين للعموم الذي دلّت عليه
مَنْ
الموصولة . وفي هذا البيان دلالة على أن أحكام الإسلام يستوي فيها الذكور والنساء عدا ما خصّصه الدين بأحد الصّنفين . وأكّد هذا الوعد كما أكّد المبيّن به . وذكر « لنحيينّه » ليبنى عليه بيان نوع الحياة بقوله تعالى :
حَياةً طَيِّبَةً
. وذلك المصدر هو المقصود ، أي لنجعلنّ له حياة طيّبة . وابتدئ الوعد بإسناد الإحياء إلى ضمير الجلالة تشريفا له كأنه قيل : فله حياة طيبة منّا . ولما كانت حياة الذّات لها مدّة معيّنة كثر إطلاق الحياة على مدّتها ، فوصفها بالطيّب بهذا الاعتبار ، أي طيب ما يحصل فيها ، فهذا
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 219 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور