تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
وفي كلاميهما من الوهن أنه لا وجه لتخصيص الاستعاذة بإرادة قراءة القرآن . وقول ابن عطية : « الفاء في
فَإِذا
واصلة بين الكلامين والعرب تستعملها في مثل هذا » ، فتكون الفاء على هذا لمجرّد وصل كلام بكلام واستشهد له بالاستعمال والعهدة عليه . وقال شرف الدين الطيبي : « قوله تعالى :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
متّصل بالفاء بما سبق من قوله تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
[ سورة النحل : 89 ] . وذلك لأنه تعالى لما منّ على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بإنزال كتاب جامع لصفات الكمال وأنه تبيان لكل شيء ، ونبّه على أنه تبيان لكل شيء بالكلمة الجامعة وهي قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ سورة النحل : 90 ] الآية . وعطف عليه
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ
[ سورة النحل : 91 ] ، وأكّده ذلك التأكيد ، قال بعد ذلك
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
، أي إذا شرعت في قراءة هذا الكتاب الشريف الجامع الذي نبهت على بعض ما اشتمل عليه ، ونازعك فيه الشيطان بهمزة ونفثه فاستعذ باللّه منه والمقصود إرشاد الأمّة » اه . وهذا أحسن الوجوه وقد انقدح في فكري قبل مطالعة كلامه ثم وجدته في كلامه فحمدت اللّه وترحّمته عليه . وعليه فما بين جملة
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً
[ النحل : 89 ] إلخ ، وجملة
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
جملة معترضة . والمقصود بالتفريع الشروع في التنويه بالقرآن . وإظهار اسم
الْقُرْآنَ
دون أن يضمر للكتاب لأجل بعد المعاد . والأظهر أن
قَرَأْتَ
مستعمل في إرادة الفعل ، مثل قوله تعالى :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
[ سورة المائدة : 6 ] ، وقوله :
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ
[ سورة الإسراء : 35 ] وقوله :
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا
[ سورة المجادلة : 3 ] ، أي يريدون العود إلى أزواجهم بقرينة قوله بعده
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا
في سورة المجادلة [ 3 ] ، وقوله تعالى :
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً
في سورة النساء [ 9 ] ، أي أوشكوا أن يتركوا بعد موتهم ، وقوله
وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
[ سورة الأحزاب : 53 ] ، أي إذا أردتم أن تسألوهن ، وفي الحديث « إذا بايعت فقل : لا خلابة » . وحمله قليل من العلماء على الظاهر من وقوع الفعل فجعلوا إيقاع الاستعاذة بعد