تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
الصقعب النهدي لعمرو بن معديكرب وقد تحدّث عمرو في مجلس قوم بأنه أغار على بني نهد وقتل خالدا ، وكان خالد حاضرا في ذلك المجلس فناداه : مهلا أبا ثور قتيلك يسمع ، أي قتيلك المزعوم ، فالإضافة للتهكّم . والمعنى : إذا رأى الذين أشركوا الشركاء عندهم ، أي في ظنّهم . ولك أن تجعل لفظ « شركاء » لقبا زال منه معنى الوصف بالشركة وصار لقبا للأصنام ، فتكون الإضافة على أصلها . والمعنى : أنهم يرون الأصنام حين تقذف معهم في النار ، قال تعالى :
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
[ سورة البقرة : 24 ] . وقولهم :
رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا
إما من قبيل الاعتراف عن غير إرادة فضحا لهم ، كقوله تعالى :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ
[ سورة النور : 24 ] ، وإما من قبيل التنصّل وإلقاء التّبعة على المعبودات كأنهم يقولون هؤلاء أغرونا بعبادتهم من قبيل قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا
[ سورة البقرة : 167 ] . والفاء في
فَأَلْقَوْا
للتّعقيب للدّلالة على المبادرة بتكذيب ما تضمّنه مقالهم ، أنطق اللّه تلك الأصنام فكذّبت ما تضمّنه مقالهم من كون الأصنام شركاء للّه ، أو من كون عبادتهم بإغراء منها تفضيحا لهم وحسرة عليهم . والجمع في اسم الإشارة واسم الموصول جمع العقلاء جريا على اعتقادهم إلهية الأصنام . ولما كان نطق الأصنام غير جار على المتعارف عبّر عنه بالإلقاء المؤذن بكون القول أجراه اللّه على أفواه الأصنام من دون أن يكونوا ناطقين فكأنه سقط منها . وإسناد الإلقاء إلى ضمير الشركاء مجاز عقلي لأنها مظهره . وأجرى عليهم ضمير جمع العقلاء في فعل « ألقوا » مشاكلة لاسم الإشارة واسم الموصول للعقلاء . ووصفهم بالكذب متعلّق بما تضمّنه كلامهم أن أولئك آلهة يدعون من دون اللّه على نحو ما وقع في الحديث : « فيقال للنّصارى : ما كنتم تعبدون ، فيقولون : كنا نعبد المسيح ابن اللّه ، فيقال لهم : كذبتم ما اتّخذ اللّه من ولد » .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 199 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور