تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
ويجوز أن يكون نفي الإذن كناية عن الطّرد كما كان الإذن كناية عن الإكرام ، كما في حديث جرير بن عبد اللّه « ما استأذنت رسول اللّه منذ أسلمت إلا أذن لي » . وحينئذ لا يقدّر له متعلّق أو لا يؤذن لهم في الخروج من جهنّم حين يسألونه بقولهم :
ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ
[ سورة غافر : 49 ] فهو كقوله تعالى :
فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
[ سورة الجاثية : 35 ] . والاستعتاب : أصله طلب العتبى ، والعتبى : الرضى بعد الغضب ، يقال : استعتب فلان فلانا فأعتبه ، إذا أرضاه ، قال تعالى :
وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ
[ سورة فصلت : 24 ] . وإذا بني للمجهول فالأصل أن يكون نائب فاعله هو المطلوب منه الرضى ، تقول : استعتب فلان فلم يعتب . وأما ما وقع في القرآن منه مبنيّا للمجهول فقد وقع نائب فاعله ضمير المستعتبين كما في هذه الآية ، وكما في قوله تعالى في سورة الروم [ 57 ] : فيومئذ لا تنفع
الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
، وفي سورة الجاثية [ 35 ] :
فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
. ففسّره الراغب فقال : الاستعتاب أن يطلب من الإنسان أن يطلب العتبى اه . وعليه فيقال : استعتب فلم يستعتب ، ويقال : على الأصل استعتب فلان فلم يعتب . وهذا استعمال نشأ عن الحذف . وأصله : استعتب له ، أي طلب منه أن يستعتب ، فكثر في الاستعمال حتى قلّ استعمال استعتب مبنيّا للمجهول في غير هذا المعنى . وعطف
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
على
لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
وإن كان أخصّ منه ، فهو عطف خاص على عام ، للاهتمام بخصوصه للدّلالة على أنهم مأيوس من الرضى عنهم عند سائر أهل الموقف بحيث يعلمون أن لا طائل في استعتابهم ، فلذلك لا يشير أحد عليهم بأن يستعتبوا . فإن جعلت
لا يُؤْذَنُ
كناية عن الطّرد فالمعنى : أنهم يطردون ولا يجدون من يشير عليهم بأن يستعتبوا . [ 85 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 85 ]

وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 85 ) عطف على جملة
ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
[ سورة النحل : 84 ] . و
إِذا
شرطية ظرفية . وجملة
فَلا يُخَفَّفُ
جواب
إِذا
. وقرن بالفاء لتأكيد معنى الشرطية والجوابية