البديهية إنما يحصل عند حدوث تصوّر موضوعاتها وتصوّر محمولاتها . وحدوث هذه التصوّرات إنما هو بسبب إعانة الحواس على جزئياتها ، فكانت الحواس الخمس هي السبب الأصلي لحدوث هذه العلوم ، وكان السمع والبصر أول الحواس تحصيلا للتصوّرات وأهمّها .
وهذه العلوم نعمة من اللّه تعالى ولطف ، لأن بها إدراك الإنسان لما ينفعه وعمل عقله فيما يدلّه على الحقائق ، ليسلم من الخطأ المفضي إلى الهلاك والأرزاء العظيمة ، فهي نعمة كبرى . ولذلك قال تعالى عقب ذكرها
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
، أي هي سبب لرجاء شكرهم واهبها سبحانه .
والكلام على معنى
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
مضى غير مرة في نظيره ومماثله .
[ 79 ]
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 79 ]
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 79 )
موقع هذه الجملة موقع التّعليل والتّدليل على عظيم قدرة اللّه وبديع صنعه وعلى لطفه بالمخلوقات ، فإنه لما ذكر موهبة العقل والحواس التي بها تحصيل المنافع ودفع الأضرار نبّه الناس إلى لطف يشاهدونه أجلى مشاهدة لأضعف الحيوان ، بأن تسخير الجوّ للطير وخلقها صالحة لأن ترفرف فيه بدون تعليم هو لطف بها اقتضاه ضعف بنيّاتها ، إذ كانت عادمة وسائل الدفاع عن حياتها ، فجعل اللّه لها سرعة الانتقال مع الابتعاد عن تناول ما يعدو عليها من البشر والدوابّ .
فلأجل هذا الموقع لم تعطف الجملة على التي قبلها لأنها ليس في مضمونها نعمة على البشر ، ولكنها آية على قدرة اللّه تعالى وعلمه ، بخلاف نظيرتها في سورة الملك [ 19 ]
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ
فإنها عطفت على آيات دالّة على قدرة اللّه تعالى من قوله :
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ
[ الملك : 5 ] ، ثم قال :
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
[ الملك : 6 ] ثم قال :
أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ
[ سورة الملك : 16 ] ثم قال :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ
الآية . ولذلك المعنى عقبت هذه وحدها بجملة
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
.
والتّسخير : التّذليل للعمل . وقد تقدّم عند قوله تعالى :
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ
في سورة الأعراف [ 54 ] .