تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
هو القرب المكاني كناية عن كونه في المقدوريّة بمنزلة الشيء القريب التّناول كقوله تعالى :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
[ سورة ق : 16 ] . وعلى الوجه الثاني في تفسيره يكون القرب قرب الزمان ، أي أقرب من لمح البصر حصّة ، أي أسرع حصولا . والتذييل بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
صالح لكلا التفسيرين . [ 78 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 78 ]

وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) عود إلى إكثار الدلائل على انفراد اللّه بالتصرّف وإلى تعداد النّعم على البشر عطفا على جملة
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ النحل : 72 ] بعد ما فصل بين تعداد النّعم بما اقتضاه الحال من التذكير والإنذار . وقد اعتبر في هذه النّعم ما فيها من لطف اللّه تعالى بالناس ليكون من ذلك التخلّص إلى الدعوة إلى الإسلام وبيان أصول دعوة الإسلام في قوله تعالى :
كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ
[ سورة النحل : 81 ] إلى آخره . والمعنى : أنه كما أخرجكم من عدم وجعل فيكم الإدراك وما يتوقّف عليه الإدراك من الحياة فكذلك ينشئكم يوم البعث بعد العدم . وإذ كان هذا الصّنع دليلا على إمكان البعث فهو أيضا باعث على شكر اللّه بتوحيده ونبذ الإشراك فإن الإنعام يبعث العاقل على الشكر . وافتتاح الكلام باسم الجلالة وجعل الخبر عنه فعلا تقدم بيانه عند قوله تعالى :
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
[ سورة النحل : 65 ] والآيات بعده . والإخراج الإبراز من مكان إلى آخر . والأمّهات : جمع أمّ . وقد تقدم عند قوله تعالى :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
في سورة النساء [ 23 ] . والبطن : ما بين ضلوع الصدر إلى العانة ، وفيه الأمعاء والمعدة والكبد والرحم . وجملة
لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
حال من الضمير المنصوب في
أَخْرَجَكُمْ
. وذلك أن