هذا تمثيل ثان للحالتين بحالتين باختلاف وجه الشّبه . فاعتبر هنا المعنى الحاصل من حال الأبكم ، وهو العجز عن الإدراك ، وعن العمل ، وتعذّر الفائدة منه في سائر أحواله ؛ والمعنى الحاصل من حال الرجل الكامل العقل والنّطق في إدراكه الخير وهديه إليه وإتقان عمله وعمل من يهديه ، ضربه اللّه مثلا لكماله وإرشاده الناس إلى الحقّ ، ومثلا للأصنام الجامدة التي لا تنفع ولا تضرّ .
وقد قرن في التمثيل هنا حال الرجلين ابتداء ، ثم فصل في آخر الكلام مع ذكر عدم التّسوية بينهما بأسلوب من نظم الكلام بديع الإيجاز ، إذ حذف من صدر التمثيل ذكر الرجل الثاني للاقتصار على ذكره في استنتاج عدم التسوية تفنّنا في المخالفة بين أسلوب هذا التمثيل وأسلوب سابقة الذي في قوله تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً
[ سورة النحل : 75 ] . ومثل هذا التفنّن من مقاصد البلغاء كراهية للتكرير لأن تكرير الأسلوب بمنزلة تكرير الألفاظ .
والأبكم : الموصوف بالبكم - بفتح الباء والكاف - وهو الخرس في أصل الخلقة من وقت الولادة بحيث لا يفهم ولا يفهم . وزيد في وصفه أنه زمن لا يقدر على شيء . وتقدّم عند قوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
في أول سورة البقرة [ 18 ] .
والكلّ - بفتح الكاف - العالة على الناس .
وفي الحديث « من ترك كلّا فعلينا »
، أي من ترك عيالا فنحن نكفلهم . وأصل الكلّ : الثّقل . ونشأت عنه معان مجازية اشتهرت فساوت الحقيقة .
والمولى : الذي يلي أمر غيره . والمعنى : هو عالة على كافله لا يدبّر أمر نفسه .
وتقدّم عند قوله تعالى :
بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ
في سورة آل عمران [ 15 ] ، وقوله تعالى :
وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ
في سورة يونس [ 30 ] .
ثم زاد وصفه بقلّة الجدوى بقوله تعالى :
أَيْنَما يُوَجِّهْهُ
، أي مولاه في عمل ليعمله أو يأتي به لا يأت بخير ، أي لا يهتدي إلى ما وجّه إليه ، لأن الخير هو ما فيه تحصيل الغرض من الفعل ونفعه .
ودلّت صلة
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
على أنه حكيم عالم بالحقائق ناصح للناس يأمرهم بالعدل لأنه لا يأمر بذلك إلا وقد علمه وتبصّر فيه .