تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
والرزق : هنا اسم للشيء المرزوق به . والحسن : الذي لا يشوبه قبح في نوعه مثل قلّة وجدان وقت الحاجة ، أو إسراع فساد إليه كسوس البرّ ، أو رداءة كالحشف . ووجه الشبه هو المعنى الحاصل في حال المشبّه به من الحقارة وعدم أهليّة التصرّف والعجز عن كل عمل ، ومن حال الحرية والغنى والتصرّف كيف يشاء . وجعلت جملة
فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ
مفرّعة على التي قبلها دون أن تجعل صفة للرزق للدّلالة على أن مضمون كلتا الجملتين مقصود لذاته كمال في موصوفه ، فكونه صاحب رزق حسن كمال ، وكونه يتصرّف في رزقه بالإعطاء كمال آخر ، وكلاهما بضدّ نقائص المملوك الذي لا يقدر على شيء من الإنفاق ولا ما ينفق منه . وجعل المسند فعلا للدّلالة على التّقوي ، أي ينفق إنفاقا ثابتا . وجعل الفعل مضارعا للدّلالة على التجدّد والتكرر . أي ينفق ويزيد . و
سِرًّا وَجَهْراً
حالان من ضمير
يُنْفِقُ
، وهما مصدران مؤوّلان بالصّفة ، أي مسرّا وجاهرا بإنفاقه . والمقصود من ذكرهما تعميم الإنفاق ، كناية عن استقلال التصرّف وعدم الوقاية من مانع إيّاه عن الإنفاق . وهذا مثل لغنى اللّه تعالى وجوده على الناس . وجملة
هَلْ يَسْتَوُونَ
بيان لجملة
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
، فبيّن غرض التشبيه بأنّ المثل مراد منه عدم تساوي الحالتين ليستدلّ به على عدم مساواة أصحاب الحالة الأولى لصاحب الصّفة المشبّهة بالحالة الثانية . والاستفهام مستعمل في الإنكار . وأما جملة
الْحَمْدُ لِلَّهِ
فمعترضة بين الاستفهام المفيد للنفي وبين الإضراب ب
بَلْ
الانتقالية . والمقصود من هذه الجملة أنه تبيّن من المثل اختصاص اللّه بالإنعام فوجب أن يختصّ بالشكر وأن أصنامهم لا تستحقّ أن تشكر . ولما كان الحمد مظهرا من مظاهر الشكر في مظهر النّطق جعل كناية عن الشكر هنا ، إذ كان الكلام على إخلال المشركين بواجب الشكر إذ أثنوا على الأصنام وتركوا الثناء
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 181 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور