تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
22 ] ، وقوله :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
[ سورة يس : 78 ] . و
الْأَمْثالَ
هنا جمع مثل - بفتحتين - بمعنى المماثل ، كقولهم : شبه بمعنى مشابه . وضرب الأمثال شاع استعماله في تشبيه حالة بحالة وهيئة بهيئة ، وهو هنا استعمال آخر . ومعنى الضرب في قولهم : ضرب كذا مثلا ، بيّنّاه عند قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما
في سورة البقرة [ 26 ] . واللّام في
لِلَّهِ
متعلقة ب
الْأَمْثالَ
لا ب
تَضْرِبُوا
، إذ ليس المراد أنهم يضربون مثل الأصنام باللّه ضربا للناس كقوله تعالى :
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ سورة الروم : 28 ] . ووجه كون الإشراك ضرب مثل للّه أنهم أثبتوا للأصنام صفات الإلهية وشبّهوها بالخالق ، فإطلاق ضرب المثل عليه مثل قوله تعالى :
وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا
[ سورة الزخرف : 58 ] . وقد كانوا يقولون عن الأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه ، والملائكة هنّ بنات اللّه من سروات الجنّ ، فذلك ضرب مثل وتشبيه للّه بالحوادث في التأثّر بشفاعة الأكفاء والأعيان والازدهاء بالبنين . وجملة
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
تعليل للنّهي عن تشبيه اللّه تعالى بالحوادث ، وتنبيه على أن جهلهم هو الذي أوقعهم في تلك السخافات من العقائد ، وأن اللّه إذ نهاهم وزجرهم عن أن يشبّهوه بما شبّهوه إنما نهاهم لعلمه ببطلان اعتقادهم . وفي قوله تعالى :
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
استدعاء لإعمال النّظر الصحيح ليصلوا إلى العلم البريء من الأوهام . [ 75 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 75 ]

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 75 ) أعقب زجرهم عن أن يشبّهوا اللّه بخلقه أو أن يشبّهوا الخلق بربّهم بتمثيل حالهم في ذلك بحال من مثل عبدا بسيّده في الإنفاق ، فجملة
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً
إلخ مستأنفة